حنين عند غروب دامٍ

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

إنها تشق البحر، يا محمد يا خويا، أراها من نافدتي بعيدة، تتهادى كنتف الثلج فوق نهر تفكك سطحه المتجمد، تماما مثل نهر (ليمنجوكي) الذي يشق هلسنكي، والذي أخبرتك ذات مرة أنني قفزت فيه من (السونا) مباشرة، فغبت عن الوعي وكدت أن أضيع بسبب الصبا والغباء وبضعة أشياء أخرى.

إنها مبحرة نحو الشرق لا تختلف عن مراكب صيد (بنكينة) بنغازي، المطلية باللون الأزرق، لا أرى لا الرياس ولا البحارة، مجرد قطعة زرقاء تلفها فقاعات بيضاء كثلج، تطفو فوق البحر الساجي. لا شك أنها سوف تحلق بشباكها عند مصبي فرعي نهر النيل: دمياط ورشيد، فالماء مازال دافئا والسردين يتحرك قريبا من السطح، إنه موسم سردين (السهيلي) التي تلاحقها أسماك التونة إن هي ارتفعت إلى السطح، أما إن غاصت إلى القاع يتربص بها الفروج والحمراي وكلاب بحر، التي تقتات على ما يسقط منها كطعوم من السطح، فما بالك إن وصلتها كاملة حية ترقص أمام عيون هذه المخلوفات البحرية النهمة؟

السردين يا محمد يا خويا كالدولار الجميع يسعى وراءه؛ إما كورقة المئة كاملة أو فتات منها. تصور أنهم يصطادون فروجا عملاقا بقطعة من الدولار، أقصد من السردين، بفرد سردين تصطاد سمكتين قد تكونان ضخمتين كتلك التي اصطادها المرحوم الرايس محمد كويدير من قمينس وبلغ وزنها 54 كيلو جراما؛ أنا لم أر في حياتي مثلها أبدا.

السردين، بالإضافة إلى أنه سمكة لذيذة، هو أيضا طعوم جيد للأسماك كافة. وقد أكون أخبرتك من قبل؛ أن هذا الكائن المسالم، الذي لا يأكل أحدأ أسقط حكومة من حكومات جزر المحيط، لأنه غير خط هجرته ذلك الموسم فأفلس صيادو الأسماك، وسقطت تلك الحكومة.

أنا لا أنوي أن أحدثك عن هذه الكائنات المزفرة. أنا أريد أن أصف لك من غرفتي ما أرى وما يعتمل في قلبي الذي ينسلخ منى ويأبى أن يشاركني هنائي ويرحل نحوكم. ها أقبل الليل وها هي أنوار يخوت الفسح البيضاء تسري نحو الغرب، سقطت الشمس في (الصقاله) مثلما يقول صيادونا في بنغازي، يقصدون أنها اختفت وراء الغيوم من قبل أن تختفي هناك في الأفق البعيد عند حافة الأفق الشمالية، لم يعد منها سوى وهجها؛ أنها غيوم تدفعها الرياح الشمالية نحونا، فغدا سوف ترتفع الريح، وبالتأكيد لا يعمل الصيادون، ولا يستلقي المترفون فوق شاطئ الإسكندرية. إنها تهاليل الشتاء. لا سردين ولا دولار، لا شيء سوى غربة وحنين إلى وطن يقول الغرب عنه أنه يحتاج إلى ثلاثين عاما ليعود كما كان.

شط الإسكندرية لا يختلف كثيرا عن شط الشابي، في بنغازي، ولا شط الهنشير في طرابلس؛ وأنا من شرفتي هنا، في الأسكندرية وكأنني رفقة الرايس بشون، فوق منارة بنغازي أراقبه وهو يثبت ضوءها، مثلما يثبت الرايس يونس الخشمي تراقص ذوابة شمعة قنديل (البرنقالي). أمامي البحر والغروب والشمس سقطت في الصقالة ويوم مقبل جديد يوحي بأنه لا يلائم لا الصيادين ولا المصيفين.. ولا المتربصين ولا الذين تخنقهم الغربة ويتطلعون نحن الغرب.

فيا صديقيَّ إنني ألتفتُ الآن نحوكما مستجديا أن يصلني منكما سلام، فلقد انسابت أغنية رائعة يستجدي مغنيها أن يبعثوا له مع نسائم الرياح الغربية ومع النجم سهيل سلاما كالذي أتمناه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات