ما هكذا تساق الدساتير

سالم العوكلي |
سالم العوكلي

كتبت أكثر من مرة محتجا على كتابة الدستور الليبي في هذه الظروف، فدستور الشعوب هو قصيدتها الشعرية، أو نصها النثري المبدَع؛ الذي مجازه الأصيل عدالة، واستعارته الكلية حرية.

ولأن القصيدة لا تكتب إلا بمزاج رائق وبحضور ذهني وروحي مكتمل، فالدستور الذي كان إحدى وقدات البشر الشعرية لا يمكن أن يكتب إلا في ظل توافق وسلم اجتماعي، ولا يمكن أن يصاغ في ظل هذه الأجواء المضادة للخيال وللحلم كمنطلقات أساسية لتدشين مدونة تنقل الأرض التي نعيش عليها من كونها مأوى إلى كونها وطناً، أرض تكون المواطنة فيها مقدسة. فلا معنى لأي كيان سياسي إلا بدستوره، ولا وجود لما يسمى مجتمع أو أمة أو شعب إلا بدستور يليق به وبالعصر، وغير ذلك مجرد تجمع بشري، أو زحام من الناس قدر لهم أن يتواجدوا في مكان واحد ويرتجلوا علاقاتهم ومصالحهم وفق قانون القوة الطبيعي.

كان "انتخاب" هيئة لصياغة الدستور خطأً جسيما، وكان توزيعها محاصصة على الأقاليم خطيئة أكبر، وبهذه الآلية جعلنا كل الأزمة وكل الشكوك والشكاوى وانعدام الثقة، وكل العقد والأحقاد والضغائن والتنافس على الكراسي وعلى المال السايب، وكل الميليشيات، وكل السلاح، جعلناها كلها داخل هذه الهيأة، جميعها تكتب لنا دستورنا بحبر من دم وعلى ورق ممزق مثل الوطن.

الدستور كان الهدف الأسمى لحراك فبراير، لأنه سيمثل الاختلاف الجذري عن الحقبة السابقة، والدستور كان من المفترض أن يكون الجسر المتين الذي ننتقل عبره إلى الضفة الأخرى حارقين خلفنا الاستبداد وحكم الفرد ومؤسسات الخوف، والدستور من المفترض أن يكون قصيدتنا المختزلة دون ثرثرة ، مرسلاتها محددة ودقيقة ومستفيدة من كل المنجز الحضاري فيما يخص تداول السلطة، والعدالة، والحقوق، والحريات دون تحفظ.

وكل هذا من المفترض أن تكتبه كفاءات مختلفة المشارب، وبهدوء وقدرة على الدقة في الصياغة والاختزال، حيث التفاصيل بقدر ما يكمن فيها الشيطان، بقدر ما تجعل المواد يدوس بعضها بعضاً وينسخ بعضها البعض. فحين يكتب في المادة السادسة "الشريعة الإسلامية مصدر التشريع" ثم نقطة، فلا قيمة لكل المواد اللاحقة في أبواب الحقوق أو حتى في شكل الدولة وآليات الديمقراطية، لأنها منسوخة مسبقا، فالشريعة الإسلامية جزء من ثقافتنا ووجداننا الأخلاقي ولابد أن تكون أحد مصادر التشريع لكن ليس الوحيد، وما يجعل القرآن عظيما كونه انفتح على الخبرات الإنسانية والكتب المقدسة قبله ولم يصادر على ما بعده، وترك الكثير من التفاصيل للعقل الإنساني الذي خاطبه مرارا في آياته. وهذه المادة التي تعني "تطبيق الشريعة فقط" هي الشعار الذي تحارب تحته كل الجماعات المتشددة، وهو الشعار الذي أقصى به القذافي كل النصوص الحضارية الحقوقية حين قال : القرآن شريعة المجتمع.

بل إن هذه المادة ناسخة حتى لقوانين تحريم الرق التي أنتجها العقل الإنساني فيما بعد، وبالتالي فهي مادة مفصلية ناتجة عن ضغوط المرحلة وهيمنة التيارات المتشددة ونفوذها، ما يعيدنا إلى ما سبق ذكره من كون الظروف الاستثنائية التي تمر بها ليبيا غير صالحة حتى الآن لصياغة دستور، أهم ما فيه أن يمنع عودة الفاشيات بكل أنواعها. (وفي هذه التفصيلة أحيل إلى مقالة الكاتب، عمر أبو القاسم الككلي، المهمة "دسترة الإرهاب الفكري" المنشورة ببوابة الوسط 6 أغسطس 2017)

حاولت قراءة المسودة لكني لم استطع إكمالها لأن الربيع يبان من الباب، ولأن الصياغة الركيكة والتفصيل الممل قد يليق بمنهج لمادة الثقافة السياسية أو التربية القومية التي كانت تدرس في المدارس التي سميت ثكنات، ولا تليق بدستور يحدد مصير أمة، فبعض الأمم الكبيرة كتبته في صفحة واحدة والبعض دستورها شفوي وغير مكتوب بالمرة. وهذه الثرثرة في الدستور والتفاصيل لدرجة المهزلة سببها محاولة إرضاء كل الأطراف، والأطراف داخل كل طرف، وما أكثرها من أطراف وما أشد تناقضاتها، وهي أطراف لم تكن نتاج اختلافات أيديولوجية أو فكرية أو ثقافية أو سياسية بالمعنى المهني للسياسة، لكنها تختلف وفق مصالح ذاتية وفئوية راهنة ومؤقتة، وحين تكتب الدستور شراهة المصالح الشخصية فعلى كل ما سبق ذكره السلام.

تُنسى الحقوق التي هي متن الدساتير، ويغدو الحديث عن العواصم وعن شكل العلم وعن توزيع أبار النفط كما توزع الغنائم، وعن حصة كل إقليم أو قبيلة أو مدينة منها، وفي هذه الحالة لن يشبه الدستور سوى ميثاق لصوص قرروا أن يتقاسموا الغنائم عبر اتفاق مكتوب.

هذه التفاصيل سببها تفاصيل الحالة الليبية المعقدة، وهذا الإطناب في المسودة سيضيع الإبرة، والإبرة في هذه الحالة وطن لم نقابله بعد.

راجعوا دستور الاستقلال وتعديله ستجدونه أفضل (رغم أنه دستور لم تنتخب هيأته ولم يستفتَ عليه الشعب وكتب في مجتمع لا يتعدى فيه عدد خريجي الجامعة أصابع اليدين) راجعوا الدستور الذي حُرر في بداية الألفية الثالثة والمسمى دستور (ليبيا الغد)، الذي صاغه خمسة أشخاص مختصين، في أقل من عام، ستجدونه أفضل من هذه المسودة بمائة مرة، فماذا حدث؟. وكيف تمخض الجبل فولد فأراً؟. وكيف نصوم دهراً ونفطر على بصلة دستور؟!

إن مجتمعا قضى أربعة عقود، وأكثر من جيل، في أرض ليس فيها دستور، ولا يعرف من خلفيات المواثيق سوى وثائق العهد والمبايعة للحاكم التي كان تُدبج سنويا، وبرقيات التهنئة للطغيان، ويصحو كل يوم على قانون وهيكلة جديدة وقاموس سياسي جديد، لا يمكنه أن يقرأ الدستور جيدا، إلا من رحم ربي ونجا من هذه العدوى، ولا يمكنه أن يرى الدستور إلا من ذلك الثقب الصغير الذي يطل على تاريخ طويل كان العرف فيه هو دستور ما قبل الدولة، والقبيلة هي المنظمة الوحيدة التي لا بديل من انتماء الفرد لها كي يحمي نفسه.

بإمكان هذه المرحلة أن تستمر بإعلان دستوري قابل للتعديل حسب المتغير، أو بميثاق وطني مؤقت تكون آليات المصالحة الوطنية والاجتماعية متنه الأساسي، إلى أن تستتب الأمور ويصمت الرصاص وينزح غدير الغيظ، وحينها سنكتب قصيدة الدستور كما يفهمها المختصون، وسيطرح للنقاش عبر وسائل الإعلام ومواقع التواصل والجامعات والمدارس ومنظمات المجتمع المدني ، حتى يدرك الجميع أن الحقوق الفردية والمواطنة هي لب الدساتير وأن الحريات هي روحها الأصيلة، وحين يستفتون يكون صوتهم لأجل شيء يعرفونه جيدا، ومن أجل وطن وأجيال لاحقة، وليس من أجل صراع على الزفت تحت الأرض وفوقها.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات