في علاقة السياسة بالأخلاق

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

نشر الأستاذ محمد خليفة على صفحته بفيسبوك مقالة قصيرة بعنوان "مثقف ما بعد الاستعمار ومثقف الاستقلال" طرح فيها أفكارا جديرة بالتمحيص والنقاش، استهلها بالقول أن مصطلح ما بعد الاستعمار (Post-colonialism) ومصطلح الاستعمار الجديد (Neo-colonialism) يتنافيان مع وجود الاستقلال ذاته. مؤكدا على أن "مثقف الاستقلال" ينبغي أن يكون من نوع آخر مختلف عن مثقف ما بعد الاستعمار، محاججا في ذلك بأن "مثقف ما بعد الاستعمار، مثل مرحلة ما بعد الاستعمار، مجرد تطور للظاهرة الاستعمارية، بينما دور مثقف الاستقلال هو التأسيس لقطيعة معها".

نلاحظ على هذا الاستهلال أن الكاتب يخلط بين مصطلحين ينتميان إلى ميدانين متباعدين. فالمصطلح الأول ينتمي إلى ميادين المعرفة، إذ يستخدم في الدراسات الفكرية والثقافية والكتابة التاريخية والنقد الأدبي، على حين ينتمي المصطلح الثاني إلى ميدان العلاقات الدولية.

يشير المصطلح الأول إلى حقل معرفي وبحثي جديد يتعلق بالمجالات المذكورة أعلاه، ولكن من زاوية محددة تتعلق بتاريخ وثقافة الشعوب التي خرجت من ربقة الاستعمار الحديث، إذ تعارض كتابة مابعد الاستعمار الفكر الاستعماري والعنصرية الاستعمارية والمركزية الأوربية أو الغربية إجمالا. وإذن فحين يقول الأستاذ محمد "ومقصودي من هذه الورقة هو إعادة النظر في أساليب التفكير الموروثة عن الاستعمار" إنما يضع نفسه داخل إطار الرؤية الفكرية والمنهجية لمثقف ما بعد الاستعمار!

يعلل الأستاذ محمد رفضه لمثقف ما بعد الاستعمار لأنه يستخدم الأفكار والمناهج الغربية. والواقع أن عماد تنظيرات ما بعد الاستعمار قام ويقوم به مفكرون غير غربيين (هنود في معظمهم) وأن دور المفكرين الغربيين فيه ضئيل جدا. ويمضي الأستاذ محمد قائلا "ما أود القيام به هو القطع مع سلوك الفصل بين السياسة والأخلاق (المعتمد غربياً)، لأنتهي إلى إدانة الحضارة الغربية أخلاقيا، ثم نقد ربيبها، مثقف ما بعد الاستعمار". بغض النظر عن غموض دواعي الربط هنا بين نقد مثقف ما بعد الاستعمار وموضوعة الفصل بين الأخلاق والسياسة، فإننا نستغرب هذا العزم المبدئي على "إدانة الحضارة الغربية أخلاقيا" وليس التعاطي النقدي معها ثم تقرير موقف بشأنها على ضوء النتائج المتحصلة.

يركز الأستاذ محمد على موضوعة الفصل بين الأخلاق والسياسة فيشير إلى أن "الميدان الذي لا يربح فيه المسلم هو ميدان الفصل بين السياسة والأخلاق، الذي معناه أن السياسة لا أخلاق فيها". لأن المسلم يتخلى في هذه الحالة "عن السلاح الوحيد الذي لا تملك الحضارة الغربية نظيره". ويؤمن أنه لا بد من تأهل مثقف الاستقلال لكسر حلقة التبعية لمدرسة المركزية الغربية ويربط بين الاستقلال والأخلاق لعدم قدرة الغرب على المواجهة في هذا الميدان. لذا على مثقف الاستقلال رفض الفصل بين السياسة والأخلاق وخوض الصراع الآيديولوجي على هذا الأساس.

لكن ماذا يقصد الكاتب بوحدة الأخلاق والسياسة في الإسلام؟ هل الكلام هنا عن النصوص المؤسسة للإسلام، أم هو على مستوى ممارسة الحكم في مسار أنظمة الحكم الإسلامي تاريخيا؟

إذا كان المقصود مستوى النصوص المؤسسة للإسلام فمن المعروف أن هذه النصوص لا تحتوي تحديدا لشكل أنظمة الحكم وكيفيات ممارسته، وأن التعليمات الأخلاقية هي تعليمات عامة ولا تختص بالسياسة. أما إذا كان المقصود ممارسات أنظمة الحكم الإسلامي الفعلية، فلم تكن هذه الأنظمة، على الأقل منذ تأسيس الدولة الأموية، أكثر التزاما بالأخلاق من أنظمة الحكم المعاصرة لها لدى الحضارات الأخرى.

لكنني أريد التركيز على مسألة أهم في هذا السياق. وهي أن الأخلاق والسياسة مجالان مستقلان فعلا، وإن كانا يتقاطعان.
فالأخلاق مجالها سلوك الفرد ومتعلقة بضميره، بينما تتعلق السياسة بالمجال الاجتماعي. بإدارة مصالحه ورعايتها. أي بالسلطة السياسية وممارسة الحكم. وهذا مجال القانون، حيث تتحول العناصر الأخلاقية، المرتبطة بضمير الفرد ويقرر هو الالتزام أو عدم الالتزام بأي منها، في المجال العام إلى قواعد ومواد قانونية ملزمة يتساوى أمامها الجميع ويتعرض مخالفوها إلى العقوبة. فالدولة لا توصف بأن أخلاقها حسنة أو سيئة (أخلاقية أو لا أخلاقية) لأن الدولة ليست فردا وإنما هي مجموعة أجهزة ومؤسسات.

وإنما توصف بأنها تقوم أو لا تقوم بوظائفها، التي هي من طبيعتها كدولة، إزاء مواطنيها ورعاية المصالح الاجتماعية العامة. فالتصدق وإعانة الفقراء، مثلا، قيمة أخلاقية فردية قد أقوم أو لا أقوم بها، لكن سن قوانين التقاعد والإجازات مدفوعة الأجر وتحديد الحد الأدنى للأجور وساعات العمل وحظر تشغيل الأطفال والأحداث، والرعاية الصحية المجانية والتعليم المجاني إلخ، هي من وظائف الدولة، من حيث هي جسم سياسي، محددة بدساتير وقوانين. وعلى هذا المستوى يتفوق علينا الغرب الديموقراطي أخلاقيا، وقد استفدنا منه في تحسين سلوك أنظمتنا السياسية.

إذن، القول بانفصال، وليس فصل، الأخلاق عن السياسة لا يعني أن السياسة غير أخلاقية مثلما يؤكد الأستاذ محمد في مقاله، ولا يعني أن السياسة، بطبيعتها، معارضة للأخلاق، وإنما يعني تحويل الأخلاق من المجال الفردي من حيث هي مواعظ وتوجيهات، إلى قوانين في المجال الاجتماعي وممارسة الحكم.

أتفق، بالطبع، مع الأستاذ محمد في كل ما ذكره بشأن موقف الحكومات الغربية من شعوبنا ومن قضايانا، وإعلامها المنافق والكيل بمكيالين، إلى ما هنالك. إلا أنني ارتأيت أن التركيز في النقاشات الفكرية على مواضع الاختلاف أفيد للتفاعل الفكري من التركيز على نقاط الاتفاق.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات

التعليقات
  • بواسطة : محمد خليفة

    13.08.2017 الساعة 18:51

    قرأة كل حرف من احرف مقالة الصديق العزيز عمرالككلي، التي يخالفني فيها الرأي، بخصوص الموضوع عنوان المقالة، ربما بما لا يقل عن 95%، وأنا لا انكر عليه حقه في ذلك! ومع ذلك يظل هناك ما يمكن توضيحه لإثراء النقاش، وربما حتى تطويره.. لما لا؟ انا ممن يعتمد رؤية مالك بن نبي في ضرورة خوض حرب التحرير على جبهة الأفكار. وحرب التحرير تعني القطيعة، التي تمر بالنقد ضرورة لكن لا تتوقف عنده، وإنما ترجوا البديل. إذا توقفنا عند نقد الحضارة الغربية لا اعتقد اننا سنكون اقدر من ناحوم تشومسكي أو ادوارد سعيد.. و لا ازيد لمحدودية المساحة! الفصل بين السياسة و الاخلاق (كـ"مسلمة" نظرية) في الاستعمالات اليومية هو أحد اساليب التفكير الموروثة عن التفكير/التعليم الاوربي (ميكافيللي الذي خصص فصلا في الأمير- للنذالة و الشر كسبيل للوصول للسلطة و الاحتفاظ بها). أخيراً انا افرق بين الدين الاسلامي (مكارم الاخلاق) التي ظهرت في عهد النبي و الخلفاء الراشدين، كما ظهرت في القرن العشرين عند عمر المختار وعبد الكريم الخطابي من جهة. والحضارة الاسلامية التي ظهر ت فيها ممارسات لايقرها الاسلام : الحجاج، والمذابح كاساس للوصول للسلطة والاحتفاظ بها .. من أيام بني أمية إلى الربيع العربي، من جهة أخرى!