كوبنهاجن العصية

محمد عقيلة العمامي |
محمد عقيلة العمامي

من بين دول العالم ثمانية فقط تنتج غذاء أكثر مما تستهلك. هذه الدول هي على التوالي: الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، وأستراليا، وونيوزيلندا، والأرجنتين، وجنوب أفريقيا، وفرنسا وتايلاند، قد تكون الصين أضيفت للقائمة، لأن الإحصائية التي حددت العدد بثمانية ليست حديثة تماما. الولايات المتحدة تنتج من القمح-أو (النعمة) مثلما نسميه في ليبيا – 57% وبالتالي لها القدرة على احتكار صادرات المواد الغذائية إلى مدى يفوق قدرة منظمة (الأوبك) على التحكم في صادرات النفط.

لم ينتبه العالم تماما لأهمية سلاح النفط إلاّ من بعد سنة 1973 من بعد أن طبقته الدول العربية في أعقاب حرب العبور مع إسرائيل ولم ينتبه العالم تماما لسلاح الغذاء إلاّ من بعد أن طبقه الرئيس (جيمي كارتر) على الاتحاد السوفيتي في أعقاب اجتياحهم لأفغانستان وإعلان الولايات المتحدة الأمريكية: "أن ذلك لا يمر من دون عقاب". كان عقابهم حظر بيع القمح لهم. فالقمح هو السلعة الغذائية الأكثر أهمية في روسيا، ولا أعتقد أن زائرا واحدا لموسكو لم ينتبه لوفرة الخبز بأسواقها وبالتالي أهميته.

ولكن موسكو لم تقف مكتوفة اليدين، فلقد اشترت قمحها من أماكن عديدة، ومن خلال شركات متعددة الجنسية إذ استوردت ما بين سنتي 1979/ 1980 خمسة عشر مليون طن من أصل 30 مليونا من قبل تطبيق الحظر. فلقد رفعت دول الاتحاد السوفيتي الصديقة وارداتها من روسيا لحساب الاتحاد السوفيتي. وكذلك قامت الدول الصديقة لأمريكا ببيع كميات إلى روسيا بطرق ملتوية.

وعلى الرغم من أن المعضلة الأساسية في عجز روسيا عن إنتاج القمح هي أن ثلثي أراضيها الزراعية تقع في المنطقة الباردة في أقصى الشمال، فإن النظام الاقتصادي ساهم في ذلك، وهذا ما دعا (بريجينيف) إلى السماح للمزارعين استغلال حدائقهم الخاصة وبيع محاصيلهم، وبالرغم من ضآلة إنتاج هذه الحدائق إلاّ أنها ساهمت كثيرا في توفير سلع بلغت حوالي 31% من حاجة الناس.

الحظر الأمريكي للتصدير خلق فائضا في الإنتاج وبالتالي مشكلة اقتصادية لمزارعيها، ناهيك عن أن مشتريات الاتحاد السوفيتي من الجهات المتعددة على النحو الذي ذكرنا، ساهم في التضخم الذي أصاب أسواق العالم وكذلك الأسواق الأمريكية بسبب الأسعار المجزية التي كان الروس يشترون بها حاجتهم من الحبوب وأدى إلى ارتفاع أسعار المواد الأخرى من لحوم وبيض وألبان بسبب ارتفاع أسعار الحبوب، ليس في أمريكا وحدها ولكن في العالم كله.

صراع النفط والغذاء ألقى بظلاله بصورة مؤلمة على أمريكا وكذلك أوروبا ولكن بصورة مهلكة في أماكن أخرى في العالم؛ تقول الإحصائيات، ففي ثلاث مناطق التي تعد الأفقر في العالم: في بنجلاديش مات من الجوع ما بين سنتة 1971إلى 1975 نحو 760 ألف نسمة، وحوالي 200 ألف في أثيوبيا، و250 ألف عامة البلدان الجنوبية للصحراء الكبرى، وفي الهند سجلت زيادة الوفيات بنحو 829 ألف وفاة، وهذا ما جعل الهند من بعد أن تفكر جديا في الاكتفاء الذاتي في إنتاج الغذاء.

أنا أوردت هذه الأحداث لأصل إلى مسألة لفتت نظري كثيرا. فالدنمارك، التي تتكون من 406 جزيرة، تجثم كوبنهاجن العاصمة على أكبرها، وهي التي دكها الأسطول البريطاني لثلاثة أيام متتالية سنة 1807 وتركها خرابا لا لشيء إلاّ لأنها صادقت نابليون بونابرت!. ولكنها صمدت وقامت (عصية) من جديد وصارت مبانيها تحفة عالمية حتى أن قصر (امالينبورغ) الشهير بواجهاته الأربع وأعمدته الرخامية المنحوتة بإتقان يعد الأجمل في أوروبا كلها. والدنمارك كانت السباقة في تطبيق قوانين الضمان الاجتماعي، التي تقر أنها مسئولة عن رفاهية مواطنيها، ومنذ ثلاثينيات القرن الماضي تهيأت لتصبح من أولى دول الرفاهية في العالم.

لقد مرت الدنمارك بأزمة اقتصادية في السبعينيات جراء حروب النفط والغذاء وتوقع الكثيرون انهيار هذا الرخاء الذي يباهون به ولكن لم يحدث ذلك أبدا، فلقد تحرك السكان (المرفهون) في خفض مستوى المعيشة ومساعدة المحتاجين وتطوعت الطبقة المتوسطة بقبول نسب ضريبية أكبر من نسب المطلوبة من غير القادرين، ناهيك عن التطوع الذي شمل تغطية عجز غير القادرين على سداد المستحق عليهم للجهات الخدمية من كهرباء وتدفئة وما إلى ذلك. تعاملوا مع أزمتهم كعائلة حقيقية واحدة واجهت الأزمة بقلب واحد، ولم تحدث لا ثورة ولا تمرد، ولا اصطفت، من الأفجار، الطوابير أمام المصارفـ، ولا فرض موظفو هذه المصارف إتاوات كأن يسيل للمحتاج 900 دينار مقابل صك بألف دينار، ولا وصل سعر (العتوقه) 20 دينارا، ولم يرتفع سعر (الكورونا الدنماركية ) مقابل أية عملة أخرى.
ولكن لماذا أقول لكم ذلك؟

حسنا كثر كثيرا استخدامنا لمصطلح (بنغازي العصية) ولقد وجدت المصطلح نفسه استخدمه كاتب دنماركي في الحديث عن كوبنهاجن إبان أزمتها.

هل نتوقع تطوعا من بعض الليبيين في المساهمة في تخفيف الحصار الذي ينفذه أبناء ليبيا التي ليست عصية تماما على بنغازي العصية جدا؟. هل نتوقع فزعة بعض أبناء بنغازي العصية على الأقل في تخفيف معاناة مستحقات الكهرباء على تلك الأسر التي فقدت أبناءها لتظل مدينتنا عصية؟. هل نتوقع مشاركة ولو وهمية ممن منحوا اعتمادات وهمية؟. هل نتوقع فزعة من طبقة أغنياء الحرب الجدد؟

أرجو ذلك؟ وإن لم يتحقق ذلك، فلنتوقف عن القول بأن دم الشهداء (ما يمشيش) هباء.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات