ركن العامرية.. إن كانوا يعلمون

فدوى بن عامر |
فدوى بن عامر

ظهرت الفُتيا منذ بدايات الإسلام وذلك عندما كان النبي الكريم يجيب عن أسئلة أتباعه. كانت الأسئلة حينها ولفترة زمنية بعدها مُستمدّة من واقع الناس فجاءت الإجابات في العموم مراعية لهذا الواقع ومتناغمة معه.

وهكذا الفتوى في أصلها هي جواب غير ملزم عن سؤال، وعرّفت الباحثة زهيّة جويرو الفتوى على أنها "الإخبار بحكم الشرع في نازلة من النوازل إخبارًا غير ملزم و ذلك تفريقًا لها عن القضاء". ويؤكد سعد الدين الهلالي وآخرون أن الفتوى غير ملزمة للمستفتي أو الحاكم أو حتى القاضي، حيث إن من دواعي المنطق الأخذ بالحديث الشريف "استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك".

بعد عجز مؤسسة الفُتيا عن الاستجابة لمتطلبات العصر، نشهد الْيَوْم فوضى فتاوى غير مسبوقة مما يوجب تطبيق الحديث "استفتِ قلبك"

وسيلاحظ المتابع للمسيرة التاريخية للفُتيا تغيّر مسارها وأهدافها وغاياتها، فبعد أن لعبت مؤسسات الفُتيا دورًا إيجابيًا كبيرًا في تأسيس المذاهب بما يناسب المجتمعات المسلمة المختلفة والمتغيرة، وبعد استقرار علوم الفقه فيها باتت المؤسسات وبتجمد العقل وعجزه عن الإتيان بما يصلح لتغيرات المجتمع، وكأنها حارس على ضرورة استمرار مرحلة تاريخية مرّت وانقضت وما عاد جلّ أحكامها يصلح لمشاكل الواقع فالأحكام والفتاوى المتعلقة بالرّق خير مثال على ذلك.

في ذات الوقت وكما أشارت جويرو، فقد انضوت مؤسسة الفُتيا في الغالب تحت الجناح السياسي للدولة وأصبحت تنتج من الفتاوى ما يُطلب منها حتى تكون مسوغًا شرعيًّا للحاكم لإمضاء ما شاء من غايات سياسية. وفي أحيان أخرى نراها وكأنها أجسام موازية للسلطة السياسية في تناغم لمصالح مشتركة بطريقة أو بأخرى.

وبعد عجز مؤسسة الفُتيا عن الاستجابة لمتطلبات العصر، نشهد الْيَوْم فوضى فتاوى غير مسبوقة مما يوجب تطبيق الحديث "استفتِ قلبك". ولعل الليبيين بكلماتهم المختزلة أشاروا ضمنيًا لقلب الحكاية فأفاضوا بالمعني كما يجب من خلال السلوك الاجتماعي الليبي المعروف عندما لا نستسيغ رأيًا فنقول "خليك منه، خليه يفتي" أي أن كلامه غير ملزم لنا لأنه ليس في مصلحتنا فهو إذًا إعمال للعقل فيما نسمع وكأننا نستفتي قلب العقل وإن أفتانا الناس وأفتونا وفي هذا نوع من محاولة التعايش مع المتاح. لكن قد يكون ذلك ممكنًا و مفيدًا على الصعيد الشخصي لكنه ليس كذلك عندما يتعلق الأمر بفتوى تُكفّر بها شريحة واسعة من المجتمع الليبي من قِبل مؤسسة رسمية في الدولة فحينها وجبت على كل الليبيين وقفة صادقة و شجاعة وفاعلة.

فإصدار فتوى باسم مؤسسة من مؤسسات الفُتيا الرسمية المنتشرة في البلد تقضي بتكفير أتباع مذهب الإباضية من الأمازيغ الليبيين لا يكون هدفها المحافظة على السلم المجتمعي ونشر المحبة بين الناس بل جاءت تحريضًا وتكريسًا للكراهية وبث العدوان فهي إذًا قدمت لتمزيق الجرد والتكليلة. وحيث أن صاحب الجرد والتكليلة يبتغي من الفتوى الوصول إلى حالة من الراحة النفسية من خلال المواءمة بين إيمانه الديني وما يلاقيه في واقعه المعاش في مجتمع له خصوصياته فعلى الفتوى مراعاة هذا الجانب لتكون بذلك محافظة على المقاصد العليا للدين المشتركة مع الإنسانية جمعاء لكن أن تكون تكفيرية فهي إذًا معادية للمجتمع متعدّية على هويته وخصوصيته نابشة جراحا قديمة بل خالقة جراحا جديدة إن لم يكن هناك قديم تنبشه.

من العبث والمثير للعجب ضمور بل موت أصوات الساسة تجاه هذا النوع التكفيري الخطير من الفتاوى

ولا أظن أن وتيرة فتاوى التكفير هذه ستخبو أو تنجلي فقد بدأت منذ سنوات بتكفير كل من طالب بنظام سياسي غير ديني وطالت الصوفية أيضًا بهدم الأضرحة والمساجد التي يُذكر فيها اسم الله كثيرا وهاهي الْيَوْم تجرؤ لتطال أتباع الإباضية و بشكل رسمي جدًا في محاولة ردئية لإنهاء ماتبقى من الجرد والتكليلة.

ومن العبث والمثير للعجب ضمور بل موت أصوات الساسة تجاه هذا النوع التكفيري الخطير من الفتاوى وكأن لا ألسنة لهم ينطقون الحق بها أو أصابع يكتبون بها بيانات إدانة، كيف لا وقد جثمت الطير على رؤوسهم فلم يعد لهم همّ إلا همُّهم، والخارقة إن جاءت هذه الفتوى على أهوائهم وللإنصاف نقول أن هؤلاء الساسة من الجائز أنهم لا يملكون من أمرهم شيئًا إلا ما يتعلق بمصالحهم الوهمية إذ لا مصلحة لسياسي بعيدًا عن مصلحة وطنه.

وخلاصة القول أن النفس الإنسانية السوية مفطورة على حب الخير ونبذ الشر فإن حملت فتوى صادرة من أي فَقِيه كان في طياتها- فما بالك صراحة- شرا كثيرا أو قليلا، حينها كان لزامًا على الجميع والساسة على وجه الخصوص إبراز موقفهم على وجه السرعة و اتخاذ قرارات حاسمة ضد هذه المؤسسات وتحمّل تبعات مناصبهم ومسئولياتهم الجسيمة تجاه الجرد والتكليلة اللذيّن منحاهما ما هم فيه.. هذا إن كانوا يعلمون.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات