تلبية الدعوة

عمر أبو القاسم الككلي |
عمر أبو القاسم الككلي

الدكتور محمود أبو صوة متخصص في التاريخ وله كتب مهمة في ميدان تخصصه وهو التاريخ الوسيط، أي التاريخ الإسلامي، هي:

مقدمة في تاريخ المغرب الاجتماعي والاقتصادي.
ملاك الأرض بأفريقية منذ الفتح حتى أواسط القرن الرابع للإسلام: مدخل لدراسة نظام أفريقية الاقتصادي والسياسي.
دراسات في تاريخ البحر الأبيض المتوسط في العصر الوسيط. جدلية المجال والهوية: مدخل لتاريخ ليبيا العام.

والخلفية الفكرية البارزة التي ينطلق منها الدكتور أبو صوة في كتاباته هذه هي نظرية ما بعد الاستعمار Postcolonial theory ودراسات التابع Subaltern studies التي مؤداها، بإيجاز، إعادة النظر في ما كتبه المؤرخون الغربيون بشأن الشعوب غير الغربية انطلاقا من وجهة نظر المستعمِر والمركزية الأوربية، أو الغربية، والاهتمام أيضا بـ "كتابة التاريخ من أسفل"، أي الاهتمام بتاريخ الطبقات والشرائح والفئات الشعبية، وليس بتاريخ الحكام والطبقات الحاكمة فقط.

والدكتور أبو صوة ليس من الأكادميين الذين يكتفون بالكتابة في مجال تخصصهم (وهذا، على أية حال، لا يعد عيبا)، وإنما يتطرق إلى الكتابة في مجالات أخرى تبتعد وتقترب من تخصصه الأصلي.

أي أنه أكاديمي مثقف يسهم في الكتابة عن أوضاع بلاده وشعبه كمثقف ومواطن، أو كمواطن مثقف

فله كتاب باسم "صناعة الإرهاب: قراءة في استراتيجية الهيمنة" وهو متعلق بالسياسة الدولية، إضافة إلى عديد المقالات المتعلقة بالشأن الليبي. أي أنه أكاديمي مثقف يسهم في الكتابة عن أوضاع بلاده وشعبه كمثقف ومواطن، أو كمواطن مثقف.

لم تمكني ظروفي الخاصة والعامة من تخصيص جهد للكتابة عن مؤلفات وكتابات الدكتور أبو صوة ومناقشتها (وهذا من دواعي أسفي) وأخصص هذا المقال لمناقشة إدراج له على صفحته في الفيسبوك، 15. 7. 2017، بعنوان "دعوة للتفكير: مسؤولية الشعوب" يلفت فيه الدكتور أبو صوة النظر إلى مسؤولية الشعوب، ومن ضمنها الشعب الليبي طبعا، على قسط وافر مما يصيبها من أزمات. فنحن "في ليبيا لم نفكر بعد في مسألة التخلي عن التخلف وعن أدوات إنتاجه فسنكون من ثم مجبرين على الانخراط في مسارات دائرية ستنتهي بنا مجددا إلى نقطة الانطلاق التي ستتأخر قليلا".

ويرى الدكتور محمود أن أنظمتنا السياسية، بما فيها من يتقاسمون حكم ليبيا الآن، هي أنظمة كمبرادورية همها "الانفراد بقيادة البلاد /وكيل وحيد، وهو ما سييسر العودة إلى نقطة الانطلاق: تقسيم المجتمع إلى سادة ومتسولين!". ويؤكد أن هذا التقسيم القائم على ثنائية "سيد مقابل متسول" هو ما مكن النظام السابق من الاستدامة لأكثر من أربعة عقود "وما تقوم به القوى المتصارعة الآن وبمساعدة البعض هنا وهناك لا يخرج عن مسار الهيمنة التقليدية!".

ويقرر أن هذا سيعاد إنتاجه " لأننا لم نتحمل مسؤولية أخطائنا في الماضي ومازلنا نحملها لغيرنا". وللخروج من هذا المأزق يشدد الدكتور أبو صوة على أنه لا مفر لنا من "الاعتراف أولا بأننا شعب متخلف والاعتراف ثانيا بأن الأخطاء التي نقترفها لا تقل سوءا عن أخطاء قادة البلاد!". ذلك أن "الشعوب التي لا تعترف بأخطائها، مهما كانت هذه الأخطاء صغيرة، هي شعوب قاصرة، أي غير راشدة ومن ثم يسهل العبث بها وبذاكرتها!". ويستدعي الدكتور محمود أمثلة راجعت فيها شعوب، أو على الأقل أعداد كبيرة من مثقفيها، في أوروبا واليابان، بعد الحرب العالمية الثانية أنفسها وأقرت بتحملها جزءا من المسؤولية عما حدث.

حركات الإسلام السياسي المتدرج في حدة تطرفه والتي تسعى إلى إقامة دولة على قاعدة الجلد والذبح وبتر الأطراف هي من الشعب

هذا الالتفات إلى مسؤوليتنا كشعب ليبي على ما حدث لنا من ويلات مهم جدا. إنه يحاول الخروج بأزمتنا من الغموض والالتباس والتهرب من المسؤولية ليضعها على أرض الوضوح ويسلط عليها أشعة التفكير العقلاني والعلمي. فأنا شخصيا أرى أن معظم طبقات الشعب وقطاعاته ومكوناته تخصب الأزمة بشكل يومي!.

فحركات الإسلام السياسي المتدرج في حدة تطرفه والتي تسعى إلى إقامة دولة على قاعدة الجلد والذبح وبتر الأطراف هي من الشعب، وكذلك هو شأن الجماعات المسلحة التي تعارض قيام مؤسسة عسكرية احترافية ومؤسسة شرطة تقليدية، والمتعصبون من مكوناتنا الإثنية، والجهويون الذين يضمرون الانفصال، والمتعصبون القبليون، والذين يرون أن مدينتهم خير مدينة أخرجت لليبيين ويختزلون فيها الوطن بقضه وقضيضه أو يرون أنها ينبغي أن تحكم ليبيا، والذين يطالبون بطرد الدخلاء أو الوافدين من مدينتهم وجعلها أشبه بغيتو خاص بها، وعصابات الجريمة والنهب والتهريب...

وإذا قمنا بتقدير أعداد هؤلاء وطرحناها من مجمل عدد الشعب لوجدنا أن المتوفر لنا ممن ينفصلون (ولا أقول يتعالون) عن هذه المسارات والتعصبات قليلون جدا ولا يعملون بتنسيق في ما بينهم وأن تأثيرهم ليس واضحا.

النقطة الأكثر أهمية في رؤية الدكتور أبو صوة هذه أنها تنأى عن النظرة الرومانسية إلى الشعب التي تمجده وترى أنه دوما على حق. لقد دعانا الدكتور محمود أبو صوة إلى التفكير وحاولنا تلبية دعوته بما قدرنا عليه.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات