بديل داعش!

حمدي الحسيني |
حمدي الحسيني

الآن. بعد نجاح ليبيا في القضاء على إمارة داعش في مدينة سرت، واستبسال مصر في تطهير سيناء من بقاياهم، ونجاح العراق في استعادة الموصل وهدم عاصمتهم المزعومة، ومحاصرة بقاياهم في سورية، بعد كل هذه الجهود وهذا العمل الدؤوب، هل بذلك انتهى حلم بناء دولة الخلافة المزعومة، وانتهت معه الصورة المشوهة التي رسمها التنظيم الإرهابي للمسلمين في مشارق الأرض ومغاربها؟.

وهل انتهى كابوس الدولة الإسلامية التي لم تدم أكثر من عامين، منذ بشر بها زعيمها أبوبكر البغدادي من فوق منبر مسجد النوري بالموصل؟. أم أننا على مشارف مرحلة جديدة تحمل للمسلمين وللعالم مشاهد أكثر دموية من الحرق وحزّ الرؤوس؟ وما مصير ما تبقى من جيش الخلافة وهل تستسلم خلاياهم النائمة في أكثر من مكان، وتتوقف ذئابهم المنفردة عن ممارسة هوايتها في القتل والترويع هنا وهناك؟.

كل هذه الأسئلة باتت مشروعة وتفرض نفسها على كل من يتابع خسائر التنظيم المستمرة في كل الجبهات التي كانوا يتمترسون بها، بدءًا من سيناء المصرية وانتهاءً بالموصل العراقية مرورًا بسرت الليبية والرقة السورية.

منطقتنا ستظل هشة، رخوة، لقمة سائغة لداعش وأخواتها، طالما بقيت بعيدة عن الديمقراطية وتخاصم الحكم الرشيد

المتابع لتطور التنظيمات المتشددة التي تبنت العنف وسيلة لتحقيق أهدافها يلاحظ أنها جميعًا خرجت من مصر ومن تحت عباءة جماعة الإخوان المسلمين، وأن أهم ما يميزها السير وفق برنامج منظم، بحيث قبل أن يختفي أحدهم من الساحة يكون قد ظهر تنظيم جديد من رحم الذي جرى اكتشافه ومحاربته وهزيمته أمنيًا.

فمثلاً تنظيم سيد قطب الجهادي ظهر للعلن بعد يأس الجماعة من عبدالناصر، الذي عزلهم وغيرهم، ثم انفرد بالسلطة، وكانت دوافعهم المعلنة هي مواجهة استبداده، وبطشه، لكن جاء رده قويًا بقرارات إعدام قطب ورفاقه، فدخلت الجماعة وأذرعها في سبات عميق، ونقلت كافة أنشطتها إلى دول النفط التي تبنتهم وأولتهم كل رعاية نكايةً في حكم ناصر وطموحاته القومية.

وعندما وصل السادات للسلطة تبنى فكرًا مغايرًا لسلفه في التعامل مع الجماعة ومخططاتها، وبدلاً من مواجهتها قرر مهادنتها واحتواءها، بل واستخدامها أيضًا وترك هذا الأسلوب تراثًا كارثيًا على الطرفين (الجماعة والسلطة) والمجتمع بأسره، ولم يدم تحالف السادات معهم طويلاً.

وكانت كامب ديفيد الصخرة التي تحطم عليها تحالف السادات والجماعة، وعلى غرار الانشطار النووي تفجرت الجماعة من داخلها، وخرج من رحمها عدد من التنظيمات المسلحة، كان (الجهاد) أبرزها، فتوّج نشاطه بقتل السادات نفسه خلال حادث المنصة الشهير، وبإعدام القاتل والقبض على قادة التنظيم بدأ الجهاد يتوارى ويظهر في الأفق تنظيم القاعدة الوليد الذي ساهمت الولايات المتحدة وعدد من الحكومات العربية في تمويل وتدريب عناصره، والدفع بهم إلى جبال أفغانستان الموحشة بزعم مواجهة الروس الكفار!.

هناك ووسط الجغرافية الصعبة والجبال الوعرة، نجح المجاهدون العرب في إلحاق الهزيمة بالعدو الروسي نيابة عن خصمه الأميركي، وفي قلب جبال تورا بورا الأفغانية جرى عمليًا إشهار تحالف أكبر تنظيمين متشددين (الجهاد والقاعدة)، وكان ضروريًا أن يتطور التشدد ويعلن التحول من مجرد أفكار وأحلام تراود أتباعه إلى تجسيد واقعي، فكانت أفغانستان أول إمارة وكان الملا محمد عمر أول أمير للمؤمنين!.

بعدها ظل التنظيم يلقي حفاوة أميركية وعربية حتى قرر بعض أتباعه العودة إلى بلادهم ومحاولة تغيير أنظمتها الفاسدة.. هنا بدأت الأزمة وظهرت المفارقة وشرعت أجهزة الأمن في الدول العربية تعدل مفهومها في التعامل معه من الاحتواء والرعاية إلى المكافحة والمواجهة، كما ظل التنظيم يشكل مادة إعلامية مثيرة لأجهزة الاستخبارات العالمية لسنوات طويلة حتى انقلب السحر على الساحر وضرب التنظيم ضربته الصادمة في الثلاثاء الأسود، وما خلفه في أحداث 11 سبتمبر المعروفة.

من هنا انتقل العالم وعلى رأسه الولايات المتحدة إلى مرحلة جديدة، عنوانها الحرب الاستباقية والغزو والذهاب للعدو في عقر داره. ثم انشطرت القاعدة ونقلت نشاطها من جبال أفغانستان إلى سهول العراق المحتل وانتقلت راية القيادة من بن لادن السعودي إلى الأردني أبومصعب الزرقاوي، الذي وضع اللبنة الأولى لتنظيم جديد، وبدأنا نسمع لأول مرة اسم (داعش).

إذا كانت الدولة الإسلامية قامت على أساس القتل والترويع وأدهشتنا بتسجيلاتها السينمائية وإعلامها المبهر، فماذا إذن يمكن أن يخبئ لنا بديلها المرتقب؟

وفي العراق كانت التربة خصبة لنمو التنظيم الجديد، ووسط تنامي روح الانتقام من الحكام الجدد وتصاعد الظلم والعنصرية التي راعتها شخصيات طائفية التوجه، مثل رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي ترعرعت داعش. وعندما هبت رياح التغيير ومع موجة الربيع العربي وما واكبها من عدم استقرار، عادت جماعة الإخوان بقوة إلى الواجهة، وفي تلك الفترة الساخنة سقطت الجماعة في فخ الوصول إلى السلطة في أهم بلد عربي، وهي بالصدفة بلد المنشأ والمركز الذي انطلقت منه الجماعة قبل نحو تسعة عقود من الزمن.

واغترت الجماعة ببريق السلطة الزائف، فارتكبت أخطاء جسيمة، دفعت وستدفع ثمنًا باهظًا لها اليوم وغدًا.. لكن الأهم أن منطقتنا ستظل هشة، رخوة، لقمة سائغة لداعش وأخواتها، طالما بقيت بعيدة عن الديمقراطية وتخاصم الحكم الرشيد، كما ستبقي مصدراً للتطرف والعنف بأشكاله المتنوعة لفترات طويلة.

أعود من حيث بدأت فيجب أن نكون حذرين ونحن نودع داعش ونتابع أفول نجمها، لأن التسلسل السابق للأحداث علمنا أن التنظيمات المتشددة، لا تنسحب من الساحة، قبل تجهيز بديل يحل محلها، فيا ترى ما بديل داعش المتوقع؟. وإذا كانت الدولة الإسلامية قامت على أساس القتل والترويع وأدهشتنا بتسجيلاتها السينمائية وإعلامها المبهر، فماذا إذن يمكن أن يخبئ لنا بديلها المرتقب؟.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات