الأراضي المنخفضة.. شوية تاريخ

سعاد سالم |
سعاد سالم

شائع القول أن السياسة هي حياتنا. أنا أيضا كنت لا أتوقف عن الخوض في الهراء، والأحاديث السياسية تصبح مشاعا حسب رأيي عندما تتأثر تفاصيل حياتنا الشخصية ونشاطاتنا اليومية بتصريحات السياسيين، وهو الفعل الذي يدل على أن لا أحد يقوم بعمله، وأن حياتنا تنحو إلى مزيد من الفوضى وبالتأكيد إنتاج مزيد من الهراء الذي نسميه سياسة، فضلا عن الدين.

على هذه الضفة من بحر الشمال مجمل الأحاديث عن الطقس والأجندات الشخصية والبرامج التي أُعد لها طوال العام، عن الأسعار الجيدة والطعام والأولاد، وعن العلاقات والحب، حتى أن لديهم دروسا في هذا الشأن بالمدارس تحديدا في فصل الربيع.

قبل أسبوع وأنا أغادر البيت وجدت في ردهة البناية كراسيَ وورقة معلقة إن كان ثمة من يريد الاستفادة منها أو من بعضها، حينما عدت أمس من مشواري وجدت أمام البناية المجاورة أريكة وخزانة وأشياء أخرى فوق الرصيف، جاري (عمي كوس) غيّر أرضيات المطبخ والممر وينتظر بعض الوقت لاستلام الصوفا الجديدة وبعض أثاث آخر، قبل شهر تقريبا استلم الناس مدخراتهم، ستتعطل المدارس والمكتبات العامة بعد أسبوع.

ماذا نعرف فعلا عن تاريخ البلاد التي نشيداها يقولان بالدفاع عنها والموت في سبيلها

في فترة الصيف الذي بدأ يوم 21 يونيو يكثر الحديث عن قضاء العطلات خارج هولندا وداخلها طبعا، وعن التخفيضات ونجاح التلاميذ، السياسة يناقشونها مرة واحدة قبل الانتخابات التي تجري كل أربع سنوات وينتهي الأمر غالبا بعد إعطاء أصواتهم، جدل الفوز والخسارة فقاعة سرعان ماتختفي، وتشكيل الحكومة يملأ البرامج لكن ليس أدمغة الناس، الذين يوكلون السياسة للسياسيين، إنه عمل جاد يتقاضون عليه مرتبات، ولكن.. أهذا كل شيء في هذه الأراضي المنخفضة..؟.

كنت حظيت في المدرسة ببعض المعلومات الجيدة، مفاتيح الدخول لفروع المعرفة التي غالبا قرأت مايستهويني منها، قبلها كانت خالتي في المرحلة الثانوية حينما بدأت أستمتع بقراءة كتبها في القسم الأدبي وأنا في أولى مراحل الابتدائية، وفيما بعد لم تخلُ كتب التاريخ والمطالعة حتى الثانوي بفرعها العلمي الذي اخترته من بعض الدروس الجيدة، وبالتالي حوت مناهج تلك الفترة صفحات عن دانتي والكوميديا الإلهية، وحفلت بأسماء رسامي العصور الوسطى، إضافة إلى النزر اليسير عن الحربين العالميتين، والكثير من الشعر، من شعراء المعلقات وحتى أحمد الشارف مرورا بأحمد شوقي والمهدوي، تشكيلة تمنح القليل من المفردات عن العالم الكبير، صفحات قليلة لكنها وضعت في رأسي الفضول والحب أيضا، فرغت منها المناهج لاحقا.

لكن ماذا نعرف فعلا عن تاريخ البلاد التي نشيداها يقولان بالدفاع عنها والموت في سبيلها، إذ تبدو ليبيا في الصور القديمة كأنها بشعبها وأرضها قد غطاها بركان ما أو انجرفت ونبتت في مكانها ليبيا أخرى عمرها أقل من 50 عاما والتي لكل منطقة فيها تاريخها الخاص الذي تسرده بمعزل عن البقية.

في الواقع لم أكن أعرف الكثير عن هولندا عندما جئتها كسائحة في 2012 وتلك المعلومات على غوغل لن تمكن أحدا من فهم نظام هذه البلاد وطريقة التعامل مع كل شيء فيها، وكيف عادات شخصية تكاد تكون صورة فوتوغرافية للشخصية الهولندية، كنت أتصور أن هذه المجتمعات قد تجاوزتها بشكل ما، لكنها موجودة ومتأصلة بل وهامة كما الرقم الوطني هنا، والنتف الصغيرة تمنح صورة جماعية لمواطنين بمختلف المعتقدات وبغالبية لا تعتقد بشيء، تجمعهم مثلا الدراجة والسباحة، وفناجين القهوة والعطلة الصيفية (الفاكانسي ) وسمك الهارينغ، الحقائب المعلقة مع العلم خارج نوافذ البيوت دلالة على النجاح، وتناول الحلوى الخاصة بالمواليد، إنها حياة مكرسة، كما لو أنها بصمة أو (DNA) المواطنة، وفي بلاد وضع دستورها في العام 1815، ليدخل عليه تعديل هام في 1848 ليصبح الملك بموجبه يتمتع بسلطات أقل، تكون مفردة التاريخ لها ثقل ومصداقية، تاريخ يعرفه الجميع وله رواية واحدة ويقدم بكل مخازيه ومحاسنه، خال من عبارات الفخر ولغة (ماتعرف نحنا من نحنا) ويقرأه الجميع بمن فيهم أنا القادمة الجديدة، لنفهم جيدا ما أنتج هذا التاريخ الذي نقف فوقه وتحت سطح البحر بمعظم أراضي هولندا المسطحة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات