Atwasat

مع المولوية.. الرقص عبادة

القاهرة - بوابة الوسط الأحد 21 يونيو 2015, 03:48 مساء

بينما يقف رجلٌ أشيب يُنشد ويردد «لا إله إلا الله»، يدور حوله شبان بثياب ملونة ذات تنانير واسعة وقبعات طويلة تشبه أبراج الحمام، يدورون حول أنفسهم وحوله في الوقت نفسه، وكأنهم كويكيبات تدور حول الشمس.

BCD Ad BCD Ad

إنَّها صورة مبهجة تحمل روحك إلى أجواء إيمانية خالصة، تنسى فيها وجودك فتتوحَّد مع الكون، لتصبح جزءًا من كل، ذائبًا في حب الله، إنها المولوية، حين يصبح الفن والرقص خصوصًا عبادة.

أسَّس «مولانا» جلال الدين الرومي (1207 هـ- 1272 هـ) الطريقة المولوية التي اشتهرت بتسامحها مع أهل الذمة ومع غير المسلمين

أسَّس «مولانا» جلال الدين الرومي (1207 هـ- 1272 هـ) الطريقة المولوية التي اشتهرت بتسامحها مع أهل الذمة ومع غير المسلمين أيًّا كان معتقدهم وعرقهم، ويعدها بعض مؤرخي التصوُّف من تفرعات الطريقة القادرية، بحسب «ويكيبيديا». والرومي أفغاني عاش معظم حياته في مدينة قونية التركية، وقام بزيارات إلى دمشق وبغداد. وهو ناظم معظم الأشعار التي تنشد في حلقة الذكر المولوية.

الرقص والناي
اشتهرت الطريقة المولوية بما يعرف بالرقص الدائري لمدة ساعات طويلة، حيث يدور الراقصون حول مركز الدائرة التي يقف فيها الشيخ، ويندمجون في مشاعر روحية سامية ترقى بنفوسهم إلى مرتبة الصفاء الروحي فيتخلصون من المشاعر النفسانية ويستغرقون في وجد كامل يبعدهم عن العالم المادي ويأخذهم إلى الوجود الإلهي كما يرون.

اشتهر في الطريقة المولوية النغم الموسيقي عن طريق الناي، الذي كان يعتبر وسيلة للجذب الإلهي، ويعتبر أكثر الآلات الموسيقية ارتباطًا بعازفه، ويشبه أنينه بأنين الإنسان للحنين إلى الرجوع إلى أصله السماوي في عالم الأزل.

كيف بدأت المولوية
يومًا وَصَلَ لجلال الدين الرومي خبرًا بأنَّ شيخه، شمس الدين التبريزي، قتل، فارتدى الرجل جُبَّة رمادية ولفَّ جسده بعباءة سوداء وراح يدور هيمانًا ويتمايل ويئن. ذاق الرومي حلاوة ذلك الذوبان أثناء التمايل، فاستغرقه الرقص الصوفي وموسيقاه.

وبهذا فإنَّ المولوية أول مَن أدخل الموسيقى لحلقات الذكر

وبهذا فإنَّ المولوية أول مَن أدخل الموسيقى لحلقات الذكر، وأول مَن تحرَّك بحركات راقصة دائرية بعد أن كان الذاكرون في طقوسهم يثبتون في أماكنهم مع تحريك أجسادهم يمينًا وشمالاً، كما يحدث في حلقات الذكر في عدد من بلدان العالم ومنها مصر، حيث يتناثر الأشخاص في الموالد وهم يطوِّحون رؤوسهم ذات اليمين وذات الشمال ويذكرون الله في إيقاع واحد.

والمريد المولوي يسمى «درويش»، التي تعني الفقير أو الشخص الممتن بأقل الحاجات المعيشية. ويرتدي الدرويش عباءة سوداء تسمى «حركة» وتدل على القبر، فوق ألبسة بيضاء فضفاضة تدل على الموت وقبعة عالية بنية اللون تسمى الكلّة، بحسب «ميدل إيست أونلاين». يؤمن المولويون بالتسامح غير المحدود، بتقبل الآخرين، التفسير والتعقل الإيجابي، الخير، الإحسان والإدراك بواسطة المحبة.

ويقومون بالذكر عن طريق رقص دوراني مصاحبًا موسيقى وتسمى السمع، التي تعتبر رحلة روحية تسمو فيها النفس إلى أعماق العقل والحب لترقى إلى الكمال. وبالدوران نحو الحق، ينمو المريد في الحب، فيتخلى عن أنانيته ليجد الحقيقة فيصل إلى الكمال. ثم يعود من هذه الرحلة الروحية إلى عالم الوجود بنمو ونضج بحيث يستطيع أنْ يحب كل الخليقة ويكون في خدمتها.

وتبدأ حلقة الذكر المولوية بتلاوة من القرآن الكريم من أحد المنشدين الجالسين في السدة، ثم يؤدي رئيس الزاوية بعض الأدعية والابتهالات. بعد ذلك ينشد أحد الدراويش شعرًا يقول فيه:
«إذا رمت المنى يا نفس رومي لمولانا جلال الدين الرومي».

وعند كلمة «مولانا» تضرب ثلاث ضربات، ويبدأ العزف بالنايات، ثم ينهض الدراويش ويبدؤون بالدوران بطريقة فنية خاصة

وعند كلمة «مولانا» تضرب ثلاث ضربات، ويبدأ العزف بالنايات، ثم ينهض الدراويش ويبدؤون بالدوران بطريقة فنية خاصة، فينزعون عنهم العباءات ليظهروهم يرتدون ألبسة بيضاء فضفاضة على شكل نواقيس. ويبدؤون بالدوران على إيقاعات الإنشاد الديني ويكون دورانهم سريعًا فتنفرد ألبستهم الفضفاضة وتصبح نتيجة الدوران السريع على شكل ناقوس، ويضعون على رأسهم اللبادة أو القلبق وأثناء الدوران يقومون بأيديهم بحركات لها معانٍ صوفية ويشكِّلون بأيديهم ورأسهم لفظ الجلالة (الله) ويشترط أثناء الدوران ألا تتلامس أرديتهم.

لا تزال الطريقة المولوية مستمرة حتى يومنا هذا في مركزها الرئيسي في قونية. ويوجد لها مراكز أخرى في إسطنبول وغاليبولي وحلب.

وعلى الرغم من منع الحكومة التركية كل مظاهر التصوف، فإنَّ الجهات الرسمية في تركيا تستخدم مراسم المولوية كجزء من الفولكلور التركي. ويحضر جلسات ذكر المولوية كل مَن يريد من كل الأجناس ومع كل الأديان ويلقى الجميع تسامحًا ملحوظًا من المولويين.

وانتشرت المولوية أيام الدولة العثمانية عندما تصاهر الحكام العثمانيون مع المولويون عندما تزوج السلطان بايزيد من دولة حاتوم حفيدة سلطان ولد ابن جلال الدين وأنجبت محمد شلبي الذي أصبح سلطانًا عثمانيًّا بعد أبيه فأقام وقفًا لهم لدعم أعمالهم كما فعل السلاطين اللاحقين.

وخدم العديد من أتباع المولويين في الدولة العثمانية في مناصب مختلفة، وانتشروا إلى مناطق البلقان وسورية ولبنان ومصر وفي فلسطين وبالأخص في مدينة القدس. حيث ما زالت تمارس طقوسهم إلى يومنا هذا.

والآن، يتولى فاروق حمدان الشلبي، وهو الحفيد العشرون للرومي، أمور الطائفة.

وفي مصر، تأسست المولوية على يد منشدها ومنظرها الفكري، عامر التوني.

حاول التوني طرح التراث المولوي المصري على الساحة العالمية، مستخرجًا تراث المولوية في بلده، فلجأ إلى تلك الحقبة التي كانت تحيا فيها المولوية في مصر منذ دخول الفتح العثماني حتى ثورة 1952 متتبعًا الآثار الموسيقية من الموشحات والابتهالات والمديح الموروثة عن أكبر المشايخ.

مع المولوية.. الرقص عبادة

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
صدور كتاب «القصة العلاجية ودورها في صحة الطفل النفسية» للكاتب معتز بن حميد
صدور كتاب «القصة العلاجية ودورها في صحة الطفل النفسية» للكاتب ...
محمد أمنينة: مؤسسة «آريتي» كانت الداعم الأبرز لنجاح ورشة «صُنّاع الساقية» في درنة
محمد أمنينة: مؤسسة «آريتي» كانت الداعم الأبرز لنجاح ورشة «صُنّاع ...
منسوجة بايو تصل متحف «بريتيش ميوزيم» في لندن بعد رحلة تاريخية
منسوجة بايو تصل متحف «بريتيش ميوزيم» في لندن بعد رحلة تاريخية
انطلاق «موسم ليبيا الثقافي» في طرابلس بمشاركة نخبة من المبدعين والمثقفين
انطلاق «موسم ليبيا الثقافي» في طرابلس بمشاركة نخبة من المبدعين ...
ثلاث شاعرات من ليبيا وتونس والسودان يحيين أمسية شعرية ضمن «موسم ليبيا الثقافي»
ثلاث شاعرات من ليبيا وتونس والسودان يحيين أمسية شعرية ضمن «موسم ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم