حديث السكن والألفة 8- توافه قد تدمر الزواج

حنان عبدالرحيم |
حنان عبدالرحيم

للكاتبة الأمريكية (بربار راسل تشيسرBarbara Russel Chesser) عدد من الكتب التي تتناول العلاقات الإنسانية. منها كتاب رائع عنوانه: "أوهام قد تدمر زواجك". سوف أنتقى لكم منها خمسة (أوهام أو خرافات) مثلما أسمتها الكاتبة، ولكنني سوف أستبدل صور وحيثيات هذه الأوهام، أو التوافه أو المشاكل بصور وحيثيات من حياتنا العربية الليبية فلعلنا نستفيد منها ونتعالى عن هذه التوافه، التي بالتجربة والتأكيد دمرت ما يقدمه الزواج، الذي تعرفه الإنسانية بأنه الأسمى في خصوصيته في العلاقات الإنسانية كافة.

تنبه الكاتبة إلى أن الزواج قد يكون أسعد العلاقات في حياة الإنسان أو قد يكون أشدها خيبة. يقول أحد الأزواج الساخرين: "إن الزواج يشبه حماما ساخنا ما إن تتعود عليه حتى يصبح أقل حرارة. ولكن الشريك النبيه يدفئة بإضافة المزيد من الماء الساخن، والنباهة هي أن ينتبه الزوجان إلى أن السبيل إلى إبعاد البرودة في العلاقات الزوجية هي بتجنب الأوهام والخرافات الشائعة القادرة فعلا على تدمير الزواج.

إليكم بعض هذه الحالات التي لا ينبغي أن نسميها بأكثر من التوافه.

1- معالجة الخلل والنواقص والأعطاب في الحياة الزوجية، بإصلاحها، وليس بترميمها والالتفاف عليها. فمثلا، يكون الزوج قد عاش في بيت تسوده الفوضى "الشكلية" بمعنى أن البيت ليس جيد الترتيب كأن تكون هناك فوطة لليدين وأخرى للاستحمام وثالثة للمطبخ فيما عاشت الزوجة في بيت هو كالمستشفى في نظافته، وكفندق خمس نجوم في نسقه وترتيبه وعلى ذلك ليس من السهل على الطرفين تقبل وضع الآخر وسلوكه في كل ما يتعلق بذلك. فلا الزوج يتصرف ليغيظ زوجته، ولا هي تهدف من انتقاداتها للسخرية منه أو من أهله وبيئته، ولا الزوج يسأم ويغتاظ من دقتها وحرصها ونقدها، وإنما يسأم من كونها تعتقد أنه يتعمد مناكفتها. إن حياتهما لن تتحسن إلاّ بعدما يهدآ ويسترخيا ويعالجا الأمور بحسب الأهمية. ثم ما من أسرة إلاّ ولها طقوسها التي شب الأطفال عليها ولم تعد مجرد عادة، وإنما جزءا من سلوك صبغ العائلة كلها. أنا شخصيا أعرف أن أسرة من أقربائي يتعين أن يجتمعا من بعد صلاة يوم الجمعة لوجبة الغداء الذي يكون بالضرورة أكلة (مبوخه)؛ أرز أو كسكسي ومعه أي نوع من (محشي). ولو حدث وأن تأخر أحد الأزواج لسبب ما، او تخلف فإن القلق يحف بالعائلة كلها. الزوجة الجديدة مثلا التي صارت بالضرورة فردا جديدا من هذه العائلة قد تفرح في البداية بهذه العادة، ولكنها سوف تضجر من طقوسها بعد فترة ويصبح ما أسعدها في البداية مقلقا حتى فقدان الأعصاب، ويصبح يوم عطلتها الأسبوعية يوما عصيبا وغالبا ما ينتهي بشجار. أعرف أن زوجة جديدة لرابع أبناء هذه العائلة توافقت مع زوجها على أن طقوس الجمعة مقلقة فانسحبا بهدوء من النسق واستمتعا بيوم عطلتهما يقضيانه مثلما يشاآن ولكن بقية (العائلة الكبيرة) اعتبرت أن الزوجة الجديدة مترفعة وبالتالي لم ينظر إليها كأنها جزء من كل. والحقيقة أن ما قامت به هذه (العائلة الصغيرة) هو تنفيذ لقوله تعالى: (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) وكسر طوق هذه العادة هو الخطوة الأولى لتنفيذ هذا الأمر الذي ينبغي أن يكون بتراضي الأطراف كلها.

إن العلاقات الزوجية تنجح وتزدهر وتستمر بود ومحبة عندما يركز كل شريك على نقاط القوة في شريكه ويقلل من شأن نواقصه. تماما مثلما قال الفيلسوف الأمريكي "وليم جيمس": "فن الحكمة هو فن معرفة الأمور التي يجب إغفالها" يعني: أن ننظر إليه "بالعين الحولة" مثلما نعبر شعبيا عن مثل هذه المواقف. فلا أحد يريد أن يكون بيته مستشفى أو أن يكون مجرد صالة في روضة أطفال من بعد حفلة عيد ميلاد.
في الحلقة القادمة سنتناول مثالا آخرا لمثل هذه الحالة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات