الزيارة الإنجليزية

نورالدين خليفة النمر |
نورالدين خليفة النمر

كنت من صباي هاوياً أقرأ الصحف والمجلات، وبحكم وظيفتي وإدارتي الإعلامية صرت أدّققُ في مقالاتها وظلت الكتابات التي تنحو لرسم بيوغرافيا السياسي تستهويني من بعد تخرّجي من الجامعة 1978 وحتى خروجي من الإعلام إلى سلك التعليم الجامعي عام 1988، وعندما تطلّب مني تحضير أطروحتي في ألمانيا معادلة شهادتي الليبية بدراسة مجال دراسي ثانٍ غير الفلسفة تخصصي الأساس اخترت السياسة. ومن المواد المتطلّبة كانت المنهجيات، فاكتشفت أن لبيوغرافيا السياسي منهجية مخصوصة فاستهواني تعلُّمها لميولي المسبقة لقراءة الأدب توحي بها عناوين مقالاتي ويؤشر لها عنوان اليوم المستمد من رواية فردريش دورينمات "زيارة السيّدة العجوز".

شهدت ليبيا الأيام الماضية برنامجاً مزدحماً ومكثّفاً وبتسارع غير مشهود في السابق من زيارات لمسؤولين أوروبيين من الدول الثلاث الضالعة في التأزم الانقسامي الليبي، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى اليوم، كوزيري الخارجية البريطاني بوريس جونسون23 .8. 2017، والفرنسي جان إيف لودريان 4 .9 .2017، ووزير داخلية الدولة الإيطالية المستعمِرة السابقة لليبيا ماركو مينيتي 5 .9. 2017.

زيارة الوزير البريطاني إلى ليبيا استبقها وألّح عليها لقاء "سان سنت كلو" 25 7. 2017 الذي رُتبّ بعجلة لافتة من طرف الرئيس الفرنسي جان ماكرون بين رئيس المجلس الرئاسي وقائد مسمى الجيش الليبي، الترتيب الفرنسي أربك الخطط الأوروبية الأخرى بل صدم المشاعر الإيطالية بقلق مشوب بإحباط.

ماميز الترتيب الإنجليزي في زيارة الوزير جونسون مُرفقاً بسفيره الداهية عدا الخبرة بأقدار السياسة الليبية التي ترفدها منذ "مشروع بيفن سفورزا"مايو التقاؤه بأبرز الفاعلين المحلّيين في التأزم الانقسامي الليبي. فبدأ برئيس المجلس الأعلى المصطنع للدولة المطعون في دستورية انتخابه، وتجاوزه لبنود الاتفاق المبرم. وبعده برئيس المجلس الرئاسي المنتقصة شرعيته بأن لا وجود لمجلس رئاسي متماسك وفعّال يقوده، ثم بنافذي كانتون مصراتة من قادة الميليشات، وأرباب المال، المدينة المميّزة التي تستبد بها المخاوف من تهميش دورها في أي اتفاق محتمل. ثم طار إلى برقة غير المهدّأة منذ عام2014 لللتقاء برئاسة البرلمان الذي همش نفسه في طبرق بإعاقة أي عملية سياسية أو تشريعية أو مؤسسية يمكنها أن تُنتج توافقاً يخرج البلاد من أزمتها، بل عطّل نفسه منذ عام بالتئام جلسة لنوابه المبعثرين قليلهم داخل ليبيا وجُلّهم خارجها. ذورة الدراما في برنامج زيارة الوزير البريطاني، لقاؤه الذي وُصف من قِبل موقع الـ "بي بي سي" بـ "التاريخي" بقائد مسمّى الجيش الليبي الذي "تعهد له بالتخلي عن الحكم العسكري إذا نجح وأصبح رئيسًا لليبيا“.

لقراءة مقتضبة في بيوغرافياً السياسة وتبدّلات اقدارها حسب معطيات وقائع التاريخ المُتغيّرةعامة وتطبيقها الليبي الذي تتعلّق بمغزاه فكرة المقال سنبتدئ برسم لمحة بيوغرافية للوزير البريطاني، الذي كان مرشحا لرئاسة الوزراء بصدقية قيادته الأبرز لحملة خروج بلاده من الاتحاد الأوروبي، وقد انسحب في آخر لحظة، بعدما تخلى عنه زميله، وزير العدل، مايكل غوف، ثم رشح نفسه، وخسر في نهاية المطاف. إلا أن تيريزا ماي التي توّلت رئاسة الحكومة البريطانية بعد حكومة كاميرون التي أسقطها استفتاء "البركسيت" تفاجئه ـ وإن قبلها ـ بالمهمة المُفارقة التي أوكلتها له، والتي لم تمنعه من أن يعبّر عن سعادته بحقيبة وزارة الخارجية، متعهّداً بالعمل على بناء علاقات متينة لبريطانيا مع أوروبا والعالم.

ولكن تميُّز جونسون بتصريحاته المثيرة، وميله إلى الدُعابة الساخرة واشتهاره بالإثارة والاستعراض جعله مثار الاستنكار السياسي عامةً منذ انتخابه عام 2008 عمدةً للندن، ولكن هذا التميّز ربما ساعده أيضاً على تجاوز المفارقة كونه وزير الخارجية الذي ساهم فعلاً في خروج بلاده الفادح من الاتحاد الأوروبي، إلا أن مفارقته تتعدّى بيوغرافيته السياسية إلى الوجودية كونه السياسي الذي يفتقر ليس فقط لخصاله الدبلوماسية، أي المفارقة بين متطلبات منصبه وبين طبيعة شخصيته، بل لخصائصه الأخلاقية التي دفعته مذ كان صحافيا أن يلعب دوراً مؤثراً في الصورة السلبية والكريهة التي انتشرت عن الاتحاد الأوروبي داخل بريطانيا بل قيادة حملة البركسيت ضد الكاريكاتورالذي رسمه هو نفسه عن الاتحاد الأوروبي، أي الصورة المخيالية لاتحاد أوروبي وهمي لا علاقة له بالواقع.

في تصريحاته، والمقال الذي كتبه بعد الزيارة الليبية غرس الوزير جونسون عديد الأِبر فعدا تمريرته لتطلّع المشير قائد مسمّى الجيش الليبي لرئاسة لليبيا، بشرط الإبقاء على هوّيته العسكرتيرية، فإنه أبدّى تحفظّه على إجراء انتخابات رئاسية مبكرة مارس 2018 التي وصفها بالمتعجّلة، مشككاً في نجاعتها في أن تكون نسخة من الانتخابات التي أُقيمت عام 2014 والتي في رأيه جعلت الأمور تتجه إلى الأسوأ، ناصحا الساسة الليبيين بالتعلّم ـ دون مراعاة مفارقة المقاربة ـ من غلطة رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي، وعدم إجراء انتخابات قبل أن يكونوا على أتم الاستعداد لها.إضافة إلى ذلك عكست الزيارة بداء إنفكاكها عن دعم أوتوجيه مباشر من رئيسة الحكومة ربما لانشغالها الكُلي بمسألة البريكست باعتبارها الفاصل المحوري في السياسة البريطانية الداخلية والعالمية التي ينبغي لحراجة وضعه إبعاد الوزير جونسون عنها. كذلك وفي إشارة لافتة للشركاء الأوربيين الطقوسية المثيرة للانتباه التي تخلّلت مراسمها كرفعه العلم هو والسفير مليت وحيدين على سارية السفارة البريطانية في العاصمة طرابلس وطرافات أُخر نمّت عن غرابة شخصيته ولامعقولية وحراجة وظيفته، بل غموض مهمته في ليبيا. فيما أثارت نصائحه للساسة الليبيين وتصريحاته ومقالاته التي أعقبتها ردوداً واستجابات متنافرة من كافة عناصر الأزمة الليبية محليّاً وإقليمياً وأوروبياً.

الزيارة، رغم كل مناقصها، بل مفارقاتها الفاقعة، نجحت كما تنجح السياسة البريطانية غالباً في رسم أقدار الزيارتين اللتين أعقبتاها. فالزيارة الفرنسية التي تألق في صورتها الوزير جان إيف لودريان السياسي من خلفية اشتراكية، سبعيني، أمضى نحو أربعة عقود من عمره في تقلبات المناصب الوزارية والنيابية المختلفة، نشط ودود، وأيضا حذر كتوم، انزلقت فرنسا أثناء توليه حقيبة الدفاع في أربعة حروب في أكثر من بلد، مميّز’ صعود صفقات بيع الأسلحة الفرنسية إلى أرقام قياسية. ومع الانتقال السياسي الفرنسي الحاسم ينتقل الرجل من "نافذة" الدفاع إلى "بوابة" الخارجية في أول حكومة للرئيس الفرنسي الجديد إيمانويل ماكرون.

الزيارة الفرنسية لليبيا، وإن ترفدها ظروف ومعطيات إيجابية لاتتوفر للزيارة البريطانية إلا أنها سارت في الإطار الذي رسمته بدهاء خطوات الوزير جونسون على الرمال الليبية المتحرّكة، فقد هدف لودريان إلى دفع الطرفين الليبيين اللذين اجتمعا في لقاء "سان سنت كلو"إلى خطوة تالية تؤكد عدم تغيير موقفيهما، بل توسيع نطاق المحادثات لتشمل أطرافاً غابت عن لقاء سان سنت كلو، كممثلين عن مدينة مصراتة، التي عُوّض غيابها في باريس بأن اجتمع لودريان إضافةً إلى عميد بلديتها مع الفعاليات المجتمعية وآمري العملية القتالية "البنيان المرصوص" التي نجحت بهزيمة داعش في سرت، كماعرض على المجلس البلدي ورجال الأعمال المصارتة تعويضاً على إهمالهم تنظيم فرنسا لمنتدى اقتصادي بين رجال الأعمال في المدينة وشركات فرنسية لإبرام مشاريع اقتصادية مشتركة.

الأوراق السياسية الرابحة في يدّ الوزير الفرنسي تتمثل في الدعم المباشر من الرئيس مكرون المُترقب منه أوروبياً ترتيب فرنسي لاتمانعه الإدارة الأميركية في لعب دور إيجابي في ملفات شرق أوسطية وأفريقية شائكة كحرب الإرهاب، والحدّ من الهجرة غير الشرعية إلى أوروبا، وإطفاء اشتعالات الحروب الأهلية على الساحل المقابل لشاطئها الجنوبي، في السياق الليبي، ساعدت الوزير الفرنسي الصلات التي نسجها مبكراً مع قوات عملية الكرامة في شرق ليبيا عندما كان وزيراَ للدفاع في الحكومة الاشتراكية السالفة.

قادماً من الجزائر بعد المشاركة في لقاء مشترك حول الأزمة الليبية تأتي في مقابل الزيارتين الزيارة الإيطالية المتعجّلة والمرتبكة لوزير الداخلية الإيطالي الذي لابيوغرافية له تستدعي التوقف عندها. ومباشرة يقرّر الهبوط في بنغازي متوجهاً رأساً للقاء قائد مسمّى الجيش الليبي الذي بدأت تصطنعه القدريات السياسية الأوروبية رأس العقدة في الأزمة السياسية والمؤسسية الليبية، مما يتطلّب إرضاءه بمنحه حسب الاشتراطات الديمقراطية دوراً أساسياً في رسم ملامح حل وقائعي للمعضلة السياسية والنأي به عن الارتهان للمصالح والانتهازيات العربية التي ليس من مصلحتها لمعطيات وأغراض مختلفة انتهاء النزاع والانقسام الليبي ـ الليبي، وهو الخيار الذي عارضته إيطاليا سابقاً ويبدو أنها ستقبله على مضض لتمرير سكوت الشركاء الأوروبيين عن حلولها البرغماطية مع الأطراف الليبية الضالعة في تهريب المهاجرين الأفارقة التي بدأت تشكف عن لا أخلاقيتها ولاقانونيتها المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية. الحلول التي تحرّرها من ضاغظ الهجرة غير الشرعية تسلّلا إليها من المعبر الليبي المفتوح بمخاطر تسلل الإرهاب معه وهو الرقم الصعب، الذي يبدو إنجازه علامة فوز محققة للحكومة الإيطالية الديمقراطية في معركتها الانتخابية القادمة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات