ستاتيكى 2

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

نتحدث كثيرا عن الكتابة وما تحمله وتتناوله من مضامين فكرية -أفكار- والحديث عن الأفكار لا يكاد ينتهي، فكل يوم تولِّد الأذهان فكرة جديدة يكون لها تأثيرها في منظومة الأفكار، لأن العقل النابه مثل الخلية البشرية منغمس في عمليات الهدم والبناء المعروفة بـ(Metabolism) هذه العملية الهامة في تطور الخلية لا يرصدها الإنسان إلا تحت المجهر الالكترونى.

أما بالنسبة للأفكار فلا تجدى معها أى أجهزة ولكن من خلال عملية التأمل والتدبر ومعرفة كيف تؤثر مباشرة في حياتنا سلبــــا أو إيجابا يصبح هناك إمكانية للتعرف عليها. نحن بالتأكيد نعلم ما هي الخلية البشرية من خلال الميكروسكوب، ولكن الفكرة شيء ذهني مجرد؟. ولذا فالحديث عن الأمور الحسية أسهل بكثير. في الدراسات الإنسانية نجد "أرثر لوفجوي" وهو مؤسس "علم تاريخ الأفكار" يقول.. أن الأفكار تتأسس على مفهوم "الوحدات الفكريةUnits of thought".

هذه الوحدات الفكرية تشكل من وجهة نظره اللبنات الأساسية للفكر البشري عبر العصور

هذه الوحدات الفكرية تشكل من وجهة نظره اللبنات الأساسية للفكر البشري عبر العصور. ويعتقد لوفجوى أن هذه الوحدات الفكرية ثابتة لا تتغير، ولكنها فى تفاعل مستمر مع بعضها البعض وهو ما يؤدي إلى تكوين أنساق فكرية جديدة.

ولذلك يمكن القول أن الثقافات الإنسانية تتغير من عهد إلى آخر نتيجة للتفاعل الذي يحدث في العلاقات والارتباطات بين تلك الوحدات الفكرية المكونة لها، وليس بسبب تغير الوحدات-الفكرية ذاتها.
والوحدات الفكرية طبيعة استاتيكية، ولكنها تتحول إلى طبيعة ديناميكية بسبب تفاعل تلك الوحدات الفكرية الاستاتيكية، وإذا لم يحصل ذلك التفاعل والتغيير تبقى الأفكارتابثة لا تتغيير.

فهل نستطيع القول أن عدم تفاعل تلك الوحدات هو ما يحدث في مجتمعات الجمود والتخلف فعليا، التى تتميز بعدم التفاعل مع واقعها المعاش ، ولا تتأثر بما يحدث فيه، بل يظهر عجزها جليا فى مواجهة أزماته ومشاكله..لأن طريقة ومكونات التفكير لم تتغير بالتزامن مع كل تغيّر يحدث فى الواقع المعاش، والدليل هنا هو وجود أهل الجمود الفكرى باستمرار- تقليديون يخافون من أى جديد - بل إن الكثير من الناس يميلون إلى التقليدية والثبات لتبقى العقول فى حالة استاتيكية ولتبقى المجتمعات فى حالة ركود وسكون!؟.

فى ظني ولو سلمنا بمسألة أن التفكير يُبنى على وحدات فكرية.. فهذا الأمر يتشابه مع واقع تركيب الحمض الأمينى فى نواة الخلية(DNA). فالمعلوم أنه يأخد شكل سلم بدرجاته. يتكون جانبا السلم من سكر أحادى وفوسفات. أما الأدراج العرضية فتتكون من أربعة أحماض أمينية فقط، غير أنها تتبادل مواقعها وارتباطها في عملية تباديل وتوافيق مستمرة مما ينتج الفروقات في أنواع البروتين ووظيفة كل نوع.

هناك الكثير من المسلمات والبديهيات التي تنشأ وتتكون عليها عقولنا منذ الصغر وتنتقل من جيل إلى آخر دونما تغيير أو تطوير أو إعادة فهم وتأويل

هناك تبسيط آخر للمسألة يقول أنه يمكننا تشبيه دور الوحدات الفكرية "الفكيرات" في تاريخ الأفكار بالتفاعل الكيميائي. فكما أن الذرات الكيميائية تتمتع بصفات ثابتة لا تتغير، إلا أنها عند ارتباطها مع ذرات أخرى تكون مركبات كيميائية ذات صفات جديدة تختلف عن صفات الذرات المكونة لها. وهذه قد تكون مقاربة لكيفية نشأة الأفكار الجديدة..
وإذا سلمنا برؤية السيد آرثر يبرز سؤال مفاده ما: هي يا ترى وحداتنا الفكرية الأساسية التي جعلت عقولنا استاتيكية جامدة!؟.
هل تحكمنا "المسلمات"؟.
أم انتماؤنا الضيق والولاء (للقبيلة).
أم تأخذنا غريزة الاستحواذ على (الغنيمة)….
وتشكل تلك الثلاثية الموصوفة وحداتنا الفكرية الأساسية!؟

هناك الكثير من المسلمات والبديهيات التي تنشأ وتتكون عليها عقولنا منذ الصغر وتنتقل من جيل إلى آخر دونما تغيير أو تطوير أو إعادة فهم وتأويل. كما يبقى انتماؤنا وولاؤنا فى محيطه الضيق، الأسرة والعائلة والعشيرة، دونما بعد إنسانى أصيل. وتبقى غرائزنا هى المحرك الأساسي لأفعالنا دونما جهد يذكر فى تهذيبها وأنسنتها.

إلى متى نستمر فى مواجهة واقعنا المتردي دون التزحزح عنها قيد أنملة.. بطريقة سلفية منغلقة تمثل التراجع الحضاري والتعلق بوهم المجد التليد وتغيب عن تفكيرنا طريقة أخرى منفتحة مستنيرة ديناميكية تحاول إعادة ترتيب منطلقاتنا الفكرية حتى تتاح لنا رؤية المستقبل.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات