المدينة الغائبة

خليل الحاسي |
خليل الحاسي

لا يمكن للدولة اللاديموقراطية أن تتحمل "وقاحة" المدينة. ذلك أن أخلاق المدينة تؤسس لخلق مفهوم المواطنين لا الرعايا، ووجود المدينة يعني بالضرورة وجود مجتمع مدني معارض. وهذه المعارضة الواعية بحقوق والتزامات المواطنة تجاه النظام العام تنتظم في المعنى الذي صاغه المفكر الفرنسي آلان: "خصلتان تميّزان المواطن، المقاومة والامتثال. بالامتثال يضمن النظام، وبالمقاومة يضمن الحرية" ولعّل هذين الشرطين، هما ما يميز مفهوم الرعية عن المواطنين، وهو تداخل الحرية من جهة، وطاعة القوانين من جهة أخرى.

فالامتثال للقوانين نوع من أنواع المقاومة، دون النظر لجودة تلك القوانين من عدمها، ولكن لأنها تمثل النظام الذي نسعى إلى تغييره والحفاظ عليه في آن معًا.

"كان ظهور المدينة في تاريخ الفكر اليوناني حدثا حاسمًا، ذلك أن ما يتطلبه نظام المدينة هو، أولا قبل كل شيء، ذلك الحضور الدائم للكلام وتفوقه على الوسائل الأخرى التي تُمارس بها السلطة" جان بير. إن ذلك الحضور الكلامي يعني المشاركة في صنع السياسة وحضور مجتمع المدينة بفاعلية تنتقل به إلى مستويات متقدمة في إدارة السلطة والخلافات السياسية. أستطيع القول إذن بالكثير من التبسيط أن المدن التي لا تنتج حركات سياسية فعّالة، لا تستحق اسمها الذي سيكون مفرغا من حمولاته التاريخية الفلسفية. كما لا يكون المواطن أيضا داخل المدينة جديرا بذلك الاسم، وهو في حالة تبعية كاملة للسلطة. فالمواطن بالمعنى المعاصر للكلمة ينبغي أن يسهم في سياسة شؤون المدينة وتدبيرها، من خلال المشاركة السياسية، وإبداء الرأي في القضايا العامة. وتبدو مفردة "مواطن" ترجمة غير دقيقة عن مواطن المدينة، لأنها تحيلنا فورًا إلى فكرة الانتماء للوطن والأرض. بينما يشير مفهوم المواطن في بعده التاريخي الذي تشكّل فيه، إلي التمتع بحق المشاركة والحضور السياسيين. هناك علاقة حميمة إذن بين المشاركة السياسية ومفهوم مواطن المدينة، فوطنيتك تزداد بمقدار فاعليّتك في رسم سياسات المدينة والدولة، لا بانتمائك للوطن.

عندما استهدف النظام السابق كسر أسوار المدن، من خلال مشاريع بدونتها، لا باستحضار قيم البداوة، وإنما من خلال منح القبيلة دورًا سياسيا، من خلال القضاء على فردية الرأي السياسي، التي تشكّلت داخل النسيج الحضري؛ تحولت المدن الليبية إلى قرى ترزح تحت وطأة الاستبداد، فتبدد معنى المواطنة في مقابل تكاثف مفهوم الرعية. ومن ثم، انخرطت الرعية في تأسيس عقد اجتماعي خفي مع السلطة السياسية الحاكمة "ولي الأمر". وعسانا لا نخطئ بالقول أن مصلحة القبائل تتقاطع مع مصالح الأنظمة الشمولية ـ التي تعادي مفهوم الوطن الذي تحتويه المدينة ـ في نظرتها للوطن وحدوده ودلالاته وإحالات المشاعر المسؤولة عن الحس البدائي تجاه الأرض وملكيتها.

ونحن نعيش واقع الانتماءات الأوليَّة التي عادت لاحتلال مراكز متقدمة داخل الثقافة العامة، عاد الحديث عن مفاهيم الوطنية والمدينة ومواطنِ المدينة ليشكَّل قضية تحتوي الكثير من الإشكاليات. ويثور السؤال ـــ هنا ـــ عن معنى "المواطن" الملتبس بعلاقة وحدة العقيدة - الدين، ووحدة الدم - القبيلة، والمتعالق مع الانتماء للأرض، وطبيعة هذه الانتماءات الأولية. وكنت حتى فترة قريبة أعتبر أن تلك المفاهيم السائدة في المنطقة والطارئة على الحاضر من عمق التاريخ، ينبغي نقدها. وهذا النقد هو محاولة للفهم، محاولة لا تُشكك في وطنيّة معتنقي تلك المفاهيم، ولكنها في الوقت عينه، لا تثق في دقة تقييمهم وصحّة دعوتهم. لكنني أعدت النظر في معنى الوطنية، وبتُّ أشكك في وطنية القبليين ونظرائهم الإسلاميين.

الفكر الديني والفكر القبلي، كلاهما لا يُؤْمِن بمفاهيم دولة المواطنة ومواطني المدينة. فالأوّل يكفر بمعنى الدولة الوطنية القُطرية، ويعتبر حدود العقيدة على اتساعها حدود دولته. في المقابل لا تعني كلمة "وطن" على مستوى دلالاتها داخل العقل القبلي، إلا عدد الهكتارات من الأرض لصالح فلان أو علان. ولطالما كانت القبيلة كيانًا معاديًا لفكرة الدولة. ذلك أن مدينة المواطنين تنتصر للفردية والمشاركة الجماعية السياسية التي تتعارض مع مصالح القبيلة وزعمائها الذين يطبّقون نظاما قريبا من نظام الشورى الإسلامي الذي لا يُؤْمِن بالمشاركة الجماعية، فيقتصر الأمر داخله على "الخيرين الشيرين أهل الحل والعقد" ولا يُسمح للدهماء والعامة بالمشاركة والحضور السياسيين. إن وجود الرعايا بدلا عن المواطنين هو الركيزة الأصيلة لقيام نظام شورى إسلامي أو قبلي يسير في طريق بدونة المدينة، في الوقت الذي ترتحل فيه الديموقراطية بمفاهيم المدينة لمستوى متقدم في قضية المواطن والمواطنة.

هنا إذن بيت القصيد، فالشورى لا تحفل بمشاركة العامة في الحجاج والكلام حول السياسة والقوانين، وبكلمات أخرى، تبدو مفاهيم الأسلمة غير قادرة على النهوض إلا على أنقاض المدن ومواطنيها، وتبدو الديكتاتورية المرتبطة بولاء القبائل، هي الأخرى فكرة تطمح لزحزحة مواطن المدينة من حضوره السياسي، إلى الانتماء المحصور في الأرض، فيتحول المواطنون إلى مواطني الأرض أو رعايا المدينة. وإن هذا الفارق العميق غير ظاهر بين معنى الديموقراطية ومعنى الشورى بأبعاده الإسلامية والقبلية، يشرف على الأفق الفاصل بين مفهوم المواطنة ومعنى الرعية. ولمّا كانت الديموقراطية بدلالاتها التاريخية التقليدية حكم الشعب للشعب، أو "الحكم الجماعي" بترجمة الفارابي، كان مفهوم المشاركة السياسية لمواطن المدينة الجوهر لمعنى كلمة الديموقراطية. وبالتالي لا يمكن تخيل وجود ديمواقراطية في غياب المدينة. ولا يمكن اختلاق المدينة والاحتفاء بها من خلال الأدب والشعر والمقالات الثقافية في غياب المواطنين. فماذا بقي للمدينة الليبية من معنى المدينة، وقوامها أفراد تتحدد انتماءاتهم وآفاق مواطنتهم من خلال الدين والقبيلة؟

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات