قراءة في مشروع الدستور

يونس فنوش |
يونس فنوش

المادة (1): نص المادة لا علاقة له بعنوانها (اسم الدولة وشكلها) .. فعبارة (ليبيا دولة مستقلة لا تقبل التجزئة.. إلخ) لا علاقة لها بالمتعارف عليه عند الحديث عن شكل الدولة، الذي يعني أنها دولة موحدة أو اتحادية أو كنفدرالية.. إلخ.

المادة (2):عباراتها فضفاضة إنشائية لا تعني شيئاً عند التدقيق، وفيها تزيد وإطناب لا حاجة إليه مطلقاً.

واستخدام لفظ (تعد) في الحديث عن هوية ليبيا وانتماءاتها الجغرافية والسياسية يعني أنها قد لا تكون كذلك في الحقيقة. وكان الأولى استخدام عبارة تعني التأكيد على الهوية مثل (ليبيا جزء من الوطن العربي.. إلخ).. وهذا مثل من أمثلة التهرب من مواجهة القضايا الجوهرية.

التسوية بين اللغة العربية واللغات الأخرى (الأمازيغية والتارقية والتباوية) في غير محلها، فاللغة العربية هي اللغة الجامعة بين كل مكونات الشعب الليبي، وتمثل هويتهم المشتركة، وهي أكبر من اعتبارها مجرد (تراث ثقافي)، في حين تمثل اللغات الوطنية لسائر المكونات تراثاً ثقافياً يجدر بالليبيين جميعاً الحرص عليه وتنميته وكفالة حق المتكلمين بتلك اللغات في الحديث بها واستخدامها في معاملاتهم الخاصة وتعلمها وتعليمها.. إلخ.

عبارة (اللغة العربية لغة الدولة): تهرب واضح من استخدام اللفظ المتعارف عليه وهو (اللغة الرسمية).

العبارة الأخيرة في هذه المادة، التي تتحدث عن فكرة غير محددة وهي (إدماج اللغات الأخرى)، وإحالة البت فيها لقانون تصدره السلطة التشريعية المنتخبة.

في تقديري أن استخدام هذه التعبيرات شديدة العمومية، من قبيل (الشريعة الإسلامية) و(تعاليم الدين) و(ثوابت الهوية) هي مظنة الإيقاع في الاختلاف في الفهم والتأويل والتفسير.

وهذا أيضاً هروب من حسم المسألة بلغة واضحة غير قابلة لإساءة الفهم، فيظل غامضاً وقابلا للتأويل تعبير (إدماج) اللغات الأخرى في (مجالات الحياة العامة)، فماذا يعني هذا الإدماج، وما مدياته ومستوياته.

مادة (5): عدم تحديد العلم والنشيد والأعياد الرسمية للدولة نموذج آخر للتهرب من مواجهة قضية حرصت أطراف معينة على جعلها قضية خلافية، وإحالة الحسم فيها لقانون تصدره سلطة تشريعية لا يعلم أحد كيف ستكون، ولمن تكون الغلبة فيها.. وكثيرون كانوا يفترضون أن الإرادة الشعبية قد حسمت هذه القضية منذ بداية الثورة، إذ أجمعت الجماهير على رفع علم الاستقلال، والتغني بنشيده.. ولم يعلن في حينها أحد عن اعتراضه. وبالمثل عدم حسم الأعياد الوطنية تهرب من المواجهة، والأولى أن تحدد الأعياد الرسمية مرة واحدة وإلى الأبد من خلال النص عليها في الدستور، فلا يعود ممكنا إلغاؤها أو تعديلها بقانون.

مادة (6): عليها عدة ملاحظات:
1- عبارة الإسلام دين الدولة عبارة لا معنى لها في تقديري، فالدولة كدولة لا دين لها، ويفترض أنها تكفل حرية التدين والعبادة لكل مواطنيها، بمختلف أديانهم.

2- عبارة (الشريعة الإسلامية مصدر التشريع): صياغة تفتح الطريق للكثير من الجدل والتأويل.. وفي تقديري أن تعبير (مصدر التشريع) يعني أنها المصدر الوحيد.. ويسمح للكثير من التأويل والاختلاف فيه.

3- سوف يظل تعبير (الشريعة الإسلامية) عاماً دون تحديد المقصود به بالضبط، أهو مبادؤها أو أحكامها، وهل هو أحكامها قطعية الثبوت والدلالة أم غير ذلك، مظنة الاختلاف في الفهم والتأويل والتفسير، وسوف نظل بحاجة إلى الاتفاق على من يحدد أو يقرر ما يتفق أو لا يتفق مع الشريعة، ومن له الصلاحية أو السلطة لفعل ذلك.

4- وقد اقترحت سابقاً أن ينص على هذا المعنى بعبارة واضحة محددة لا تقبل أي تفسير أو تأويل تقول: (أحكام الشريعة الإسلامية قطعيّة الثبوت وقطعيّة الدلالة وغير المختلف عليها هي مصدر رئيس للتشريع).

مجلس البحوث الشرعية: لا تحدد هذه المادة الهوية الحقيقية لهذا المجلس: أهو مجلس إفتاء أم مجلس بحوث علمية؟

مادة (7): صياغة المادة غير علمية وغير دقيقة. فما معنى (المواطنون والمواطنات سواء في القانون وأمامه). والمعتاد أي يقال (المواطنون سواء أمام القانون، لا تمييز بينهم.. إلخ). والصياغة التي وردت في دستور الاستقلال أفضل بكثير وأدق في التعبير.

مادة (8): جاءت بعنوان (النظام السياسي)، لكن الصياغة جاءت (مائعة) وغير علمية ولا قانونية.. فالمفهوم من النظام السياسي هو نظام الحكم، أهو إمبراطوري أو ملكي، أو جمهوري، والجمهوري هل هو برلماني أو رئاسي.. ويُعَدّ تحديد اسم الدولة بأنها (الجمهورية الليبية) استباقاً لتحديد النظام السياسي، ووصفه بأنه (جمهوري)، وهو ما لم يُسْتطلع بشأنه رأي أغلبية الليبيين.. فمن يقرر ما إذا كان الليبيون أو أغلبيتهم يرغبون في العودة إلى نظام ملكي، أو يفضلون التوجه إلى تبني نظام جمهوري، وهل يفضلون النظام الجمهوري الرئاسي أو البرلماني.

مادة (40) و(41): تتحدث المادتان عن حرية تكوين الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني، وقد طالب كثيرون منذ زمن بأهمية (دسترة) الأحزاب والمنظمات المدنية، والنص صراحة على دعم الدولة للأحزاب ومنظمات المجتمع المدني، بالطبع وفق معايير وشروط معينة، لأن وجود الأحزاب والمنظمات في الدولة المدنية الديمقراطية، جوهري وأساسي، ولا يمكن للأحزاب والمنظمات أن تقوم بدورها إلا إذا دعمتها الدولة بما يمكنها من العمل، من خلال توفير المقرات والدعم المالي اللازم.

مادة (52): الفقرة الثانية من هذه المادة مصاغة بطريقة شديدة العمومية، بما يجعلها مظنة الاختلاف في الفهم والتأويل. فعبارة (تبنى مناهج التعليم على معايير الجودة، بما يتفق مع تعاليم الدين الإسلامي وقيمه وثوابت الهوية الليبية) توقعنا في إشكالية تحديد من المخول فيما بعد بتقرير وتحديد ما هي تعاليم الدين التي ينبغي أن تتفق معها معايير التعليم، وما هي ثوابت الهوية الليبية؟

في تقديري أن استخدام هذه التعبيرات شديدة العمومية، من قبيل (الشريعة الإسلامية) و(تعاليم الدين) و(ثوابت الهوية) هي مظنة الإيقاع في الاختلاف في الفهم والتأويل والتفسير.

مادة (67): تسمية المجلس التشريعي (مجلس الشورى) غير صحيحة، فهو في الدولة ليس مجرد مجلس شورى، ولكنه (مجلس تشريعي) له سلطة سن القوانين والتشريعات، لا مجرد تقديم المشورة بشأنها.

مادة (68): النص على تكوين مجلس النواب بهذه الصياغة غير دقيق، والأفضل أن يحدد تكوين المجلس بمعيار واضح محسوب وفق معيار عدد السكان، من قبيل النص على أن يتكون المجلس من عدد من النواب، بواقع نائب واحد عن كل (40000) نسمة، أو أي عدد يزيد على نصف هذا العدد.

تعبير مع مراعاة المعيار الجغرافي، تعبير عام غير محدد، وصياغة الدستور يجب أن تكون محددة واضحة وغير قابلة للاختلاف أو الاجتهاد.

كذلك تعبير مع مراعاة المعيار الجغرافي، تعبير عام غير محدد، وصياغة الدستور يجب أن تكون محددة واضحة وغير قابلة للاختلاف أو الاجتهاد.

والأفضل أن ينص على مراعاة (المعيار الجغرافي) في تكوين مجلس الشيوخ، وذلك بالنص على تكوين مجلس الشيوخ من عدد متساو لكل الوحدات الإدارية في البلاد، يفضل أن تكون المحافظات، فيكون لكل محافظة عدد مماثل في مجلس الشيوخ مهما كان عدد السكان بها.

مادة (73): في إصدار القوانين وإقرارها عبارة (لا يجوز لرئيس الجمهورية رد أي مشروع قانون تم إقراره من مجلس الشيوخ)، منح لمجلس الشيوخ سلطة أعلى من سلطة وصلاحية مجلس النواب.. وهذا مخالف للمنطق ولا مبرر له.

مادة (75):تبني معيار عدد سكاني في تكوين المجلس، يجعله عبارة عن نسخة أخرى من مجلس النواب.

تكوين مجلس الشيوخ وفق معيار تقسيم البلاد إلى مناطق أو أقاليم أو ولايات، لا معنى له في هذه المرحلة من تاريخ البلاد. الأولى أن يتم التقسيم إلى وحدات إدارية (محافظات)، ثم تكوين المجلس بعدد متساو لكل محافظة، وبهذا يتم مراعاة المعيار الجغرافي، وتحقيق العدالة.

مادة (99):الفقرة (1) من هذه المادة تمارس إقصاء وتمييزاً بسبب الدين. فقد يكفي أن يشترط أن يكون المرشح (مسلما) ولكن اشتراط أن يكون أبواه مسلمين فيه مبالغة في الإقصاء والتمييز.

الفقرة (2) من هذه المادة تمارس حظراً وإقصاءً غير مبرر لمن سبق لهم الحصول على جنسية أخرى.. والرأي ألا يحرم هؤلاء من الترشح، بشرط التنازل عن الجنسية الأخرى، دون تحديد مدة زمنية لذلك.

مادة (100): في فقرة انتخاب الرئيس، ما المقصود بعبارة (.. بما يضمن القيمة المتساوية للأصوات، وتوزيعها الجغرافي على الدوائر الانتخابية)؟ فالأصل أن يكون للأصوات قيمة متساوية، وتوزيعها الجغرافي على الدوائر الانتخابية، يحدده قانون الانتخابات.

هذه المادة أغفلت الحالة التي لا يحصل فيها أي من المرشحين على الأغلبية المطلقة.. وهي الحالة التي تعالجها النظم الانتخابية القائمة على درجتين بإجراء جولة انتخابات أخرى بين الحائزين على المرتبتين الأولى والثانية في الجولة الأولى.

مادة (104): تمنح رئس الدولة صلاحيات واسعة، ولا تنص على اشتراط عرض بعض هذه الصلاحيات (ذات الأهمية الكبيرة مثل إعلان حالة الطوارئ وحالة الحرب) على البرلمان لإقرارها أو رفضها.

مادة (108): هذه المادة أيضاً تمنح مجلس الشيوخ سلطة أعلى حتى من سلطة رئيس الدولة، بنصها على أنه لا يجوز للرئيس (إصدار أي قرارات تتعلق بمسائل من اختصاص مجلس الشيوخ).

مادة (133): تتحدث المادة عما تسميه (الجرائم العسكرية) وهذا تعبير خاطئ، فليس ثمة (جرائم عسكرية) و(جرائم مدنية) ولكن هناك جرائم يرتكبها عسكريون، وهنا يمكن النص على اختصاص القضاء العسكري بمحاكمتهم.

مادة (135): النص على أن يكون مقر المحكمة الدستورية مدينة سبها، مجرد محاولة ساذجة لترضية إقليم فزان، وجعل أهل إقليم برقة يشعرون بالرضا لنص الدستور على أن يكون مقر البرلمان مدينة بنغازي.

مادة (137) لماذا يكون نص القسم هنا مختلفاً عن نصه في بقية الحالات، وما القصد من التعبير (لله ثم للوطن)..هذا تزيد لا معنى له.

مادة (159):يفترض أن تعبير (حقوق الإنسان) أصبح تعبيراً عن مفهوم سائد ومتفق عليه، فلا معنى لتحديد هذه الحقوق بتعبير (الواردة في الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية).

الفقرة (3) من هذه المادة تتحدث عن (دعم حصول المرأة على حقوقها).. ولا مجال هنا لتمييز المرأة عن (الإنسان) عامة، عند الحديث عن (حقوق الإنسان) فالمرأة إنسان يشملها هذا التعبير.

في آخر فقرة من هذه المادة لا أجد معنى للنص على ضرورة مراعاة تمثيل المكونات الثقافية واللغوية والمرأة والشباب).. فهذا تماد في التمييز بين المواطنين لا معنى له.

مادة (160):لا أرى لزوماً لوضع هذه الفكرة (حماية الموروث الثقافي واللغوي) في الدستور، وكان يكفي تركها لقرار السلطة التشريعية أو للحكومة.

تتمادى هذه المادة في ترسيخ فكرة التسوية غير المنطقية بين اللغة العربية، واللغات المحلية الأخرى.. فإخواننا المواطنون المتحدثون بلغات محلية غير العربية، يشتركون مع سائر المواطنين في كون اللغة العربية هي لغة الحديث والكتابة والثقافة والتعليم لهم أيضاً.

ثم تواصل المادة ترسيخ نزعة التمييز بالنص على مراعاة تمثيل المكونات الثقافية واللغوية في تكوين هذا المجلس.

مادة (161):مجلس البحوث الشرعية: لا تحدد هذه المادة الهوية الحقيقية لهذا المجلس: أهو مجلس إفتاء أم مجلس بحوث علمية؟

لم أفهم المبرر للنص على عدم جواز المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه المادتان (2) و(6)، وسائر المبادئ التي ينص على عدم جواز المساس بها.

الفقرة (3) تمنح هذا المجلس صلاحية إصدار الفتاوى في شؤون العقائد والعبادات والمعاملات الشخصية، وفي تقديري أن هذا المجال لم يعد بحاجة إلى إيجاد مجلس يحتكر هذه الصلاحية، في عصر العلم والتقنية الذي يتيح للمسلم أينما كان دوائر معارف شاملة للفتاوى الممكنة والمحتملة.

الفقرة (4) تمنح المجلس صلاحية تحديد ثبوت الأهلية وبداية الشهور القمرية، وفي تقديري أن من صاغ هذه الفقرة لا يعيش في عصر التقدم العلمي الذي بات يتيح لنا معرفة بدايات الشهور القمرية على مدى آلاف السنين القادمة. وقد بات من العبث استمرار التعويل على أشخاص أو جهة تحتكر حق وصلاحية تحديد بدايات الشهور.

مادة (170): هنا أيضاً يمنح مجلس الشيوخ صلاحية أعلى من صلاحية مجلس النواب، بالنص على (عرض العقود والاتفاقيات المتعلقة بالثروات الطبيعية على مجلس الشيوخ) للمصادقة عليها.. ولا أجد معنى ولا تبريراً لذلك. فالأولى أن تعرض على مجلس النواب، وإلا على المجلسين معا.

مادة (195) :لم أفهم المبرر للنص على عدم جواز المساس بالمبدأ الذي تقوم عليه المادتان (2) و(6)، وسائر المبادئ التي ينص على عدم جواز المساس بها.. وهذا يعني أن واضعي الدستور يريدون ممارسة حظر مسبق على إرادة المواطنين في تعديل أي نص أو مادة في الدستور، وفق الشروط التي ينص عليها الدستور، وبناء على استفتاء آراء المواطنين.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات