مجتمع بدائي!؟

صالح الحاراتي |
صالح الحاراتي

أظن أن توصيف مجتمع ما بأنه مجتمع بدائي يستدعي في العقل صورة ذهنية نمطية ترتبط بالجماعات والقبائل المنعزلة في أفريقيا مثل قبائل الماساي في تنزانيا وغيرها... ولكني أظن أن ذلك التوصيف وتلك الصورة الذهنية غير دقيقة وغير ما هو مقصود هنا.. لأننا نعني أن يشمل هذا التوصيف حتى المجتمعات شبه «الحضرية» التي تسود فيها قيم وسلوكيات المجتمع البدائي.. والتى تصنف بالعالم الثالث كنوع من المجاملة والدبلوماسية.

موسوعة ويكيبيديا تشير إلى أن الباحثين في العلوم الاجتماعية، ولاسيما علوم الاجتماع والأنتروبولوجيا يستخدمون تعبير المجتمع البدائي (Primitive society ) للدلالة على المجتمعات الإنسانية التي لم تعرف الثقافة المكتوبة، أو الحضارة التي لم يستخدم أبناؤها اللغة المكتوبة، فتنتقل التقاليد والأعراف والقيم والاعتقادات من الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة بالطرق الشفوية، فيحتفظ الأبناء في ذاكرتهم بالصور العقلية والتصورات الذهنية التي يشرحها الآباء لهم خلال مسيرة حياتهم، فتأخذ منهم موقع الصدارة في الحكم على الأشياء وفي القدرة على التمييز بين أشكال السلوك الاجتماعي، ومعرفة ما هو مضر منها وما هو مفيد).

المجتمع البدائي فى تصوري مجتمع بسيط طموحاته تقتصر على الحد الأدنى من متطلبات الحياة.

المجتمع البدائي يبدو كالطفل «مجتمع طفولي»... فقدرات هذا المجتمع بسيطة من حيث العقل الجمعي السائد؛ المتمحور حول فكرة «الأخذ» لا العطاء مما يجعله عالة على غيره

أي يمكن أن نقول إن المجتمع البدائي يبدو كالطفل «مجتمع طفولي»... فقدرات هذا المجتمع بسيطة من حيث العقل الجمعي السائد؛ المتمحور حول فكرة «الأخذ» لا العطاء مما يجعله عالة على غيره، مجتمع تسود فيه الأثرة والاستحواذ وتغيب قيمة المشاركة والتعايش، حيث المقاربة المنطقية أن نقول إنه «من الصعب على الطفل أن يتنازل عن لعبته وكذلك صاحب السلطة فى المجتمع البدائي»!!.

فإذا أضفنا إلى تلك الخصائص التي يتميز بها هذا المجتمع.. السلوك الاندفاعي، والعناد، والجمود الفكري وسيادة منطق الغلبة تأكد لنا وجه المقاربة بالطفولة.

ثم نمضي إلى المزيد من الصفات والخصائص التي يتميز بها المجتمع البدائي مثل سيطرة العاطفة والمزاجية وعدم احترام المنطق والتسلسل العلمي وبالتالي الخروج بأفكار ونتائج خاطئة ناهيك عن إجادة الكلام على حساب العمل، والخطابات الرنانة تعبيرا عن معان مزيفة، والتعيش على الألفاظ والكلمات.. والعيش في أحلام اليقظة والمثاليات وتقديس الذات.

الشاهد أنه وبشيء من التفصيل لما نراه واقعا على المستوى السياسي مجتمع ارتجالي وفوضوي استبدادي«غرائزي» إذ من الممكن أن يؤذي نفسه من خلال غباء وحماقة أفراده تماما كالمستسلم لغرائزه…ولعله من حسن الحظ ونظرا لواقع العالم اليوم وتداخل مصالحه (العولمة) تبادر مجتمعات أخرى متقدمة تأخذ على عاتقها منعه من أن يتجاوز ويؤذي نفسه تماماً أو يؤذي غيره وأظن أن ذلك ما تقوم به الدول الكبرى (تحت غطاء الأمم المتحدة) دونما إغفال لمصالح تلك الدول!!!.

ليس ذلك لأنها جمعيات خيرية أو أن علاقتها به علاقة أمومة وأبوة إنما لكون المجتمع البدائي كحال طفل (أهوج) قد يأتي أفعالا تضر به وبمن حوله مما يستدعي تدخل باقي المجتمعات الراشدة لدرء ذلك الخطرأو ربما كان ذلك تبريرا لتمرير مخططات معينة؛ هذا حال العالم اليوم.

تبقى ملاحظة أنه في مجتمعنا «النص حضري» هناك تفاوت نسبى.. فسكان المدن يعيشون حياة أفضل من ساكني الريف لأن في المدينة خدمات متوفرة أكثر، لهذا تقل في المدينة العصبية القبلية نسبيا وتتحول إلى التعصب للأندية أو حتى للشارع والحي. ولكن الروح الإقصائية تبقى قائمة كما في الأرياف.

هناك مسألة تستدعيها الذاكرة في سياق الحديث عن المجتمع البدائي وهو الذي تحركه الغريزة حيث عدم الارتباط بالمكان وأينما وجد الكلأ والقنص اتجه إليه مما يرسخ في النفوس الأثرة والرغبة في الاستحواذ.. و(الأثرة ) بالمناسبة تعني غريزة الأنانيَّة وحُبّ النَّفس، وتطلق على من لا يهدف إلاّ إلى نفعه الخاصّ، وعكسها الإيثار.. وهي بعض سمات المجتمع البدائي قبل اكتشاف الزراعة وضرورة التقيد بنظم توزيع الري وبدء استقرار الإنسان.

كل ما ذكرناه أعلاه لا ينسينا أن نشير إلى سمات رئيسية أخرى تتمثل في ما تحتويه عقول أفراده من مسلمات وهمية ترسخت مع الزمن حتى صارت حقائق مما أدى إلى حالة توهم عنوانها الاكتفاء والاستعلاء ولذا نجد صعوبة في القابلية للتطور.

بعد هذه السنوات العجاف وهي مؤلمة وسيئة ولا شك، ولكن لو أمعنا البحث.. هل لنا علاقة بما ورد أعلاه!؟. هل نستطيع تجاوز طفولتنا وشقوتنا وشقائنا وهل نستطيع تحويل كل لحظة قاسية عشناها بمعيار آخر بحيث تتغير إلى أمر إيجابي!!.

هناك مسألة تستدعيها الذاكرة في سياق الحديث عن المجتمع البدائي وهو الذي تحركه الغريزة حيث عدم الارتباط بالمكان وأينما وجد الكلأ والقنص اتجه إليه مما يرسخ في النفوس الأثرة والرغبة في الاستحواذ

ومتى يا ترى..؟.
أظن أنه إذا استطعنا إدراك ما بمجتمعنا من علل وأمراض واعترفنا بذلك وسعينا إلى إصلاحه.. وتيقنا بأن لدينا ثقافة سائدة عمادها فهم ديني مغلوط ومشوه.. وأن لدينا تأثيرا مدمرا في النفوس بسبب حقب الاستبداد الطويلة بحيث صرنا لا نعرف على وجه الدقة معنى وقيمة الحياة وكرامة الإنسان، ولم نتيقن بعد من أن الإنسان هو الإنسان ووجب أن نبني على ما وصلته البشرية فنكف عن الاستعلاء والمكابرة..نعترف بأننا نفتقد النخب الفاعلة التى تمتلك رؤية للتغيير ولا تهتم بغريزة السلطة.

نفتقد الإيمان بأن الأفضل هو القادم وليس الذي مضى...علينا الخروج من أحادية الرأي إلى الإيمان بالتعددية والتنوع.. وننسى ارتباطات الدم ونذهب إلى رباط المواطنة.. نبتعد عن الاعتقاد المطلق بالصواب ونؤمن يقينا بأننا قد نكون مخطئين... . ولا مناص إلا أن نغير من سلبيتنا وننسي "اخطى راسى وقص" فما يصيب غيرك سيلحق بك يوما ما…وإذا لم نفلح فى تجاوز طفولتنا البدائية سنعيش على هامش الحياة.

أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات