بوابة الوسط

«قهوة سي عقيلة» 12: عندما جَفا الملك بنغازي
القاهرة - بوابة الوسط: محمد عقيلة العمامي |
 (photo: )

صديقي الدكتور عبد العزيز بوهدمة، من تلاميذ فصل 3/5 بمدرسة الأمير، كان من أقرب رفاق تلك المرحلة، مررنا معًا بتجربة دور ثانٍ في تلك السنة، وهو ابن المجاهد محمود لوهدمة، الذي تولى رئاسة المجلس التشريغي البرقاوي، ثم رئاسة مجلس الشيوخ، ثم والي برقة، ثم ثانية عضومجلس الشيوخ. ، وعلاقتي بصديقي عبد العزيز، هي التي مهدت بعد ستة عشر عامًا من اقتراني بجارتهم. كان بيتهم بشارع أدريان بلت -عبد المنعم رياض- ملاصقًا لبيت عائلته والدها علي المهدي الجيلاني، الذي كان أحد سائقي الديوان الملكي، في يوم 5/10/ 1954، هو من أحضر إبراهيم الشلحي إلى مجلس الوزراء، ثم كلفه بمهمة أخرى.

رئيس مجلس الشيوخ محمود بو هدمة يفتتح نادي الهلال

رئيس مجلس الشيوخ محمود بو هدمة يفتتح نادي الهلال

عبدالعزيز محمود بوهدمة

عبدالعزيز محمود بوهدمة

 

عند مغادرة الشلحي المجلس، ومن بعد ركوبة عربته اقترب منه الأمير الشريف محيي الدين السنوسي مدعيًا أن يسلمه شيئًا، وأخرج مسدسه وأطلق عليه الرصاص فأرداه قتيلا، كان بالقرب من المغدور صهره محمود بوقيطين وكاد يجهز عليه في حينها، ولكن الحاضرين حالوا دون ذلك.

القاتل الشريف محيي الدين السنوسي في السجن

القاتل الشريف محيي الدين السنوسي في السجن

تلك الحادثة كانت الأكثر دويًّا في ذلك الوقت، لأن القاتل حفيد المجاهد أحمد الشريف، وابن شقيق الملكة فاطمة، أما المقتول فهو ناظر الخاصة الملكية، ومرافق الملك منذ إمارة إجدابيا سنة 1916، من بعد أن أوصى به المجاهد أحمد الشريف، وظل من استلامه لعمله كاتم أسرار الملك، مخلصًا له متفانيًّا في خدمته، لدرجة الصداقة وكان لبقًا متواضعًا خيرًا.

محمود بوقويطين وعلى يمينه عبد المولى لنقي والرابع عوض زاقوب واقصى اليسار شاعر الوطن رفيق المهدوي

محمود بوقويطين وعلى يمينه عبد المولى لنقي والرابع عوض زاقوب واقصى اليسار شاعر الوطن رفيق المهدوي

كان ذلك الاغتيال، جديدًا على بنغازي الآمنة، فالمملكة الليبية لم تشهد طوال فترة حكمها سوى اغتيالين: إبراهيم الشلحي ثم إدريس العيساوي سنة 1962.

وكان من تداعيات حادثة اغتيال الشلحي، فرار المرحوم صالح بويصير، من طرابلس متخفيًّا في زي امرأة، بجواز سفر زوجته، ساعدته في ذلك مربية فاضلة هي المرحومة بديعة فليفلة، ذلك لأنه كتب بمساعدة موظف بالسفارة البريطنية رسالة، من دون إلى علم الملكة للتوسط في إلغاء حكم الإعدام، ولقد استفسرت السفارة رسميا من الملك، واتضح الأمر فاصدر امر بالقبض علي السيد بوصير، وأصرّالملك إدريس، رحمه الله، على تنفيذ حكم القانون الذي صدر بحق القاتل، ونُفذ بالفعل.

الأمير إدريس وإبراهيم الشلحي عند تأسيس الجيش السنوسي في مصر 1941

الأمير إدريس وإبراهيم الشلحي عند تأسيس الجيش السنوسي في مصر 1941

وما زلتُ أذكر الهرج، وسيارات البوليس، التي كان الناس يسمونها «الصاصلي» وهي تُطوّق مكان الحادث، عند مصلحة الجوازات، أو مقر البوليس الاتحادي، ومجلس الوزراء اللذين كانا يقعان مكان المجمع الإداري الحالي ببغازي، وكان يقابله مبنى مجلس الأمة ومن بعده صار إدارة الجامعة الليبية، ثم هُدم ذلك المبنى الأثري الجميل في ثمانينات القرن الماضي.

ابراهيم الشلحي وابناءه مع الملك ادريس السنوسي

ابراهيم الشلحي وابناءه مع الملك ادريس السنوسي

كانت تلك الحادثة قريبة جدًّا من بيتنا بشارع محمد موسى. أذكر أنني حين وقوع الحادثة كنت رفقة زملاء الدراسة الابتدائية في تلك السنة عثمان شحاتة الحلحولي ومصطفى وشقيقه سليمان الفيتوري، كنا أمام سينما النهضة، قريبين جدًّا من مكان الحادث الذي طوق بمجرد حدوث الجريمة.

محمد عقيلة العمامي يتوسط عزام وعثمان شحاتة الحلحولي

محمد عقيلة العمامي يتوسط عزام وعثمان شحاتة الحلحولي

بعد مقتل الشلحى جفا الملك بنغازي لايبيت فيها، وإنما يمر بها فقط. كان أثناء مروره من طبرق إلى طرابلس، أو العكس لا يدخلها أبدًا، وإنما يقابله المسؤولون عند الكويفية للترحيب أو السلام، ثم يواصل رحلته، إلى أن قام يوسف لنقي بتجهيز استراحة في جليانة عبارة عن حجرتين وحمام ومطبخ. وعند مرور الملك في مرة من المرات، كان الحاج يوسف ضمن المستقبلين؛ فقال للملك: «ياسيدى بنغازي مش جبانة اللي إنت هاجرها..» اعتذر الملك بأنه مسافر على عجل لكن الحاج يوسف قال له: «عليّ الطلاق مانك بايت الليلة إلاّ في بنغازي وعشاك عندي..»، تبسم الملك وأخذ معه الحاج يوسف وبات في جليانة، وأصبحت عادة كلما مرَّ الملك يقيم في جليانة ويأتيه الحاج يوسف بالغداء، أو العشاء.

يوسف لنقي

يوسف لنقي

يحكى أن أحدهم لام الحاج يوسف على قسمه بالطلاق أمام الملك، فقال لهم: «..ما بينى وبينه أنتم لا تعرفوه..».

ويواصل أخونا سليمان إمنينة حديثه عما يعرفه عن العميد الوجيه يوسف لنقي، فيقول: صورته المطبوعة في مخيلتي منذ طفولتي عندما كنت أراه بملابسه الليبية الفخمة وشنبه المفتول راكبًا سيارته الهمبر بولمان الفاخرة ومتجهًا إلى مبنى البلدية أو إلى إحدى المناسبات العامة أو آتيًا لزيارة بيتنا في شارع قصر حمد.

ادريس العيساوي يتوسط العقيد خليل العبار واللواء السنوسي لطيوش  ؤئيس اركان الجيش الليبي

ادريس العيساوي يتوسط العقيد خليل العبار واللواء السنوسي لطيوش ؤئيس اركان الجيش الليبي

رجل ليس ككل الرجال، فشجاعته ووطنيته وكرمه لا يجاريه فيها أحد. له حظوة خاصة عند الملك إدريس رحمه الله. بسبب كل هذه الصفات، أنعم الله عليه بثروة لم يبخل في تسخيرها لخدمة وطنه ومواطنيه من المجاهدين ضد الاحتلال الإيطالى.

علي المهدي الجيلاني

علي المهدي الجيلاني

ونفاه الإيطاليون إلى جزيرة «أوستيكا» سنة 1925 نتيجة لنشاطه في دعم ومساعدة المقاومة. وخلال الحراك من أجل الاستقلال لم يبخل بجهد أو مال وكان هو من تكفل بمصاريف الوفد الأول المرسل للأمم المتحدة سنة 1949.

شارع إدريان بيلت - عبدالمنعم رياض - البيت الرابع من اليمين منزل محمود أبوهدمة والخامس بيت علي المهدي الجيلاني

شارع إدريان بيلت - عبدالمنعم رياض - البيت الرابع من اليمين منزل محمود أبوهدمة والخامس بيت علي المهدي الجيلاني

بعد استقلال برقة عينه الأمير عميدًا لبلدية بنغازي وأيضًا عضوًا في مجلس مستشاريه؛ من أعضائه عمر فائق شنيب ومحمد إبراهيم أمنينة وعبد الحميد العبار.

بعد الاستقلال، وبسبب فقر الدولة وقلة مواردها، كان هو من يقوم بالولائم لضيوف الدولة، وكذلك ما يقدم لهم من هدايا، وكان يقوم بكل ذلك عن طيب خاطر ودونما مباهاة أو منّ. أما مرتبه فكان ينفق على المحتاجين من موظفي البلدية. ذلك هو الحاج يوسف لنقي..شخصية أحببتها منذ طفولتي ولا زلت أحب الحديث عنها ومعرفة تاريخها الحافل، وما سردته كله ما سمعته من أشخاص عاصروا تلك الشخصية الأسطورية منهم والدي، وحسين بك مازق، والدكتور وهبي البوري وغيرهم كثيرون أطلق اسمه تخليدًا لذكراه على شارع الكورنيش خلف قصر المنار وظل كذلك حتى ألغاه نظام القذافي واستبدل الاسم.

الوفد البرقاوي الأول الشيخ عبدالحيد العبار، عمر فائق شنيب، وخليل القلال

الوفد البرقاوي الأول الشيخ عبدالحيد العبار، عمر فائق شنيب، وخليل القلال

بعد وفاة يوسف لنقي سنة 1958 تولى السيد محمد السنوسي الساقزلي، عمادة بلدية بنغازي، والساقزلي ولد في أواخر القرن التاسع عشر، نال قسطًا من التعليم في الدولة العثمانية، وعمل محررًا للعقود قبل الاستقلال. كان الملك إدريس رحمه الله يكنُّ له ودًّا وتقديرًا كبيرين.. ويقال إن السبب هو أنه الذي أبلغه أن الإيطاليين عازمون على اغتياله، ونصحه بالهجرة إلى مصر سنة1923 عُرف رحمه الله بالإخلاص والوطنية والنزاهة والخبرة القانونية. غير أنه كان حاد الطبع وعصبيًّا ولا يتحمل مجاراة أي فعل أو وضع يراه غير سليم، ونتيجة لذلك لم يدم تقلده لكثير من المواقع المهمة لفترة طويلة. ومن ضمن المهام التي تقلدها رئيسٌ لحكومة إمارة برقة بعد عمر باشا الكيخيا لمدة سنة تقريبًا، ثم عيَّن أول والٍ لولاية برقة بعد الاستقلال لمدة خمسة أشهر، ثم رئيسًا للديوان الملكي لبضعة أشهر، ثم وزيرًا للتعليم في وزارة محمود بك المنتصر، ثم رئيسًا للحكومة لمدة شهرين تقريبًا وهي أقصر عمر حكومة في العهد الملكى، ثم عميدًا لبلدية بنغازي سنة 1958لمدة أقل من سنتين، ثم رئيسًا لمؤسسة إعمار مدينة المرج بعد الزلزال سنة1963.

خلف ادريس السنوسي امير برقة رئيس وزرائها محمد الساقزلي وعلى يمينه وزير داخليتها حسين مازق وعلى يساره مصطفى بن حليم وزير الاشغال

خلف ادريس السنوسي امير برقة رئيس وزرائها محمد الساقزلي وعلى يمينه وزير داخليتها حسين مازق وعلى يساره مصطفى بن حليم وزير الاشغال

محمد السنوسي الساقزلي

محمد السنوسي الساقزلي

كان رحمه الله شخصية معروفة ومحبوبة ومحترمة من كل أهل بنغازى. وكان يعيش حياة بسيطة عادية، ولعل الكثيرين من جيلى يذكرونه وهو واقف في ميدان سوق الحوت وبيده القفة التي بها مستلزماته وهو ينتظر وقوف سيارة أجرة أو عربية (حنطور) لتوصله لبيته؛ ذلك لأنه عندما كان خارج الوظيفة لم تكن له سيارة خاصة.

بعد وصول القذافي إلى السلطة أجبره على إخلاء المنزل الذي كان يسكنه في شارع أدريان بلت، مقابل مبنى الإذاعة، وخصصوه لضابط من ضباطهم، فاشترى بيتًا في منطقة البيبسي أقام فيه هو وأسرته ومنهم ابنته الدكتورة صاحبة صيدلية العائلة التي هي جزء من بيت سكناهم».

الوفد البرقاوي الثاني للأمم المتحدة من اليمين عبدالرازق شلوف وعمر فائق شنيب وخليل القلال

الوفد البرقاوي الثاني للأمم المتحدة من اليمين عبدالرازق شلوف وعمر فائق شنيب وخليل القلال

ولقد نشرت في مطلع هذا القرن ما لخصته من الراوي، الذي لحق بمَن روى عنهم، وهو صديقي الأستاذ يوسف العالم، الذي أعرف أنَّه أحد رجالاتنا الذين يتقنون، ويعشقون اللغة العربية وآدابها وشعرها، قال: «عملت معه، من بعد أن خلف المرحوم الأستاذ يوسف يوسف لنقي. إنك لا تجد فاصلة في غير محلها في رسائل السيد الساقزلي، ناهيك عن خطه المنمق الجميل وأسلوبه البديع، فرسائله كانت نثرًا رائعًا»، ثم قال بإعجاب: «وعلى الرغم من هدوء طبعه إلا أنه سريع الغضب يفقد أعصابه تمامًا ويثور إن وقعت عيناه على خطأ، خصوصًا إن كانت مغبته تطال الوطن».

واستطرد الأستاذ يوسف قائلاً: «أذكر أنه فقد أعصابه، وطلب من سائق عربته، فجأة، أن يتوقف، واتجه نحو زنجي ضخم الجثة وصفعه (كفًّا) لأنه كان يجتث شجرة قريبة من مسكنه. قال له : (نحن نحتاج لسنوات لنرى شتلة تعانق السماء، فتقتلعها أنت في سويعات، هذه جريمة في حق بلادك التي تحتاج إلى شجر الحرّيق فما بالك بشجر السرو المهيب)»، ثم أضاف الأستاذ يوسف: «أنا لا أعرف أحدًا اهتم بالأشجار في بلادنا مثله.. ».

محمود المنتصر، يمين، وحسين مازق

محمود المنتصر، يمين، وحسين مازق

ويستطرد الأستاذ يوسف بالقول: «كان على الرغم من صرامته الفائقة، رومانسيًّا للغاية، وكن محبًّا للفن مختلفًا في ذلك عن رعيله كافة. لولاه لمررت بعقبات في طريق مسيرتي الموسيقية لا يعلم بعاقبتها إلاّ الله. صباح يوم من الأيام، استدعاني إلى مكتبه، طلب مني الجلوس، سألني إن كنت قد شربت قهوتي، أخبرته بالإيجاب، عندئذٍ سحب من درجه ورقة وطب مني أن أطلع عليها وما أن قرأتها حتى انفعلت، وتصبب العرق باردًا مني، وانزعجت كثيرًا من فحواها. ففي تلك الفترة كنت قد بدأت فعليًّا مشواري الموسيقى. كنت إلى جانب كوني سكرتيرًا للمجلس، بدأت التلحين لبعض المطربين، وأعزف أيضًا مع فرقة الإذاعة ولكن من دون عائد مادي يذكر. كان مرتب البلدية مصدر رزقي الأساسي. كانت الرسالة، عبارة عن (عريضة) رفعها أعضاء المجلس البلدي للسيد العميد، طالبين فيها أن يخيرني بين ترك (الطنطنة) في الإذاعة، أو تركي البلدية نهائيًّا، لأنَّه لا يجوز لأمين سرهم أن يمارس هذا العمل المستهجن في ذلك الوقت. وقبل أن اتخذ قراري، أخذ المرحوم محمد الساقزلي العريضة مني وقال: «والله لولا أنَّها لم تفتتح بالبسملة، لرميتها على الأرض، وطلبت منك أن تقف فوقها، ذلك لأنَّك أرفع من محتواها، استمر في فنك ولا تلتفت لمثل هذه الترهات.. وأعلم أنني، مثل كثيرين، نستمتع ببعض من ألحانك، فليوفقك الله».

سليمان منينة والدكتور وهبي البوري

سليمان منينة والدكتور وهبي البوري

ولقد كتبت على إثر ذلك مقالة عنونتها: «العميد الذي أنقذ طيرين في عش الوفاء».

ثم أعرف فيما بعد أن للساقزلي موقفًا لعله الأول في تاريخ ليبيا الحديث، ففي سنة 1954م عندما كانت ليبيا في أحرج أوضاعها، الفقر من ناحية، وأطماع المستعمرين من ناحية، والصراع الجهوي على أشده. خرجت أول مظاهرة من نوعها ضد العدالة ونجحت! ففيما كان الساقزلي رئيسًا للوزراء، أصدر الملك رحمه الله مرسومًا بشأن المجلسين التشريعي والتنفيذي وعلاقتهما بوالي الولاية، غير أنَّ المرسوم لا يكون نافذًا إلاّ باعتماده من رئيس الوزراء، ولكنه صدر من دون اعتماده. استغل الصديق المنتصر هذه النقطة وأوعز إلى المحامي علي الديب بالطعن، والإيعاز إلى أتباعه بمظاهرات خرجت ترفع شعارًا يقول: «تسقط العدالة!» ورُفع الأمر إلى المحكمة العليا، التي كانت قضيتها الأولى فحكمت بما يتفق ورأي علي الديب، وسحب الملك مرسومه، واستقال الساقزلي من منصبه.

الصديق المنتصر

الصديق المنتصر

بعدما علمت ذلك كله عن الساقزلي، تأسفت في سري، عن الصورة التي يجوز أن قراء روايتي (ليلة عرس الجمل) تصوروها، وهي أنَّ المرحوم محمد الساقزلي مجرد مسؤول سيئ طالبت الجماهير بإقالته!وهذه وحق الله مغالطة كبيرة.

المزيد من بوابة الوسط
أضف تعليق

لن يتم نشر بريدك الإلكتروني وسنحافظ على خصوصية المعلومات